و الأخيرة

رئيس التحرير
محمود الضبع

لغة خاصة بكل مهنة

باحث يكشف أصل اللغات السرية للمصريين وحكاية شفرة «السين» ولهجة «الخيش»

موقع الصفحة الأولى

كشف باحث في التراث الشرقي القديم، عن وجود العديد من اللغات السرية للمصريين، والتي تمثل شفرات سرية للتواصل بين العديد من الفئات والمهن، تتيح الحديث بطريقة لا يفهمها أحد غيرهم، وتسمى هذه الطريقة بـ"لغة السين"، وهي مصطلحات سرية يخترعها مجموعة صغيرة من الناس، ليقولوا كلام لا يفهمه أحد آخر.

ويقول الدكتور عصمت النمر، استشاري الجراحة العامة، إن هناك حوالي 6500 لغة في العالم، أشهرها اللغة الصينية "الماندرين"، التي يتكلم بيها أكتر من مليار و200 مليون شخص، إضافة إلى 11 لغة رسمية يتشارك فيها بقية سكان الكوكب، أما الباقي، فهي لغات محلية، والبعض يعتقد أنها من الممكن أن تختفي مع نهاية القرن الحالي.

ولكن الغريب، أنه بالرغم من كل هذه اللغات، لكن هناك أشخاص في العصر الحالي اخترعوا لغات أخرى، ليس لها أي علاقة مع اللغات المعروفة، لتكون طريقة للتواصل بينهم، وحتى لا يفهمها أحد غيرهم، ويسموها بلغة "السين"، أي اللغة السرية التي يخترعها مجموعة صغيرة من الناس، ليقولوا كلام لا يفهمه أحد آخر.

وأشار "النمر" إلى أن محمد حسن عيسى، الباحث اللغوي، كشف عن لغة أخرى اسمها "لغة الخيش"، والتي ظهرت بين الشباب، خصوصا في الإسكندرية، وهي لغة مختلفة عن "السغة لمبة"، لأنها تعتمد على مصطلحات معينة يستخدمها أفراد العصابات، مثل كلمة "دكاري خاتياك" يعني "اديني سيجارة"، و"تومان يان" يعني "اهربوا البوليس جاي"، و"موردران" يعني بنت مش حلوة، و"أتونا" يعني بنت قمر، ولا يعرف أحد بالظبط متى بدأت هذه اللغة، ولكن هناك من يقول إنها خاصة بـ "الغجر" اللذين كانوا موجودين في المنطقة.

وأضاف "النمر": "اللغة المنتشرة في الشارع المصري ليست مجرد كام حرف مرصوصين جنب بعض وخلاص، ولكن لها وظائف أخرى، مثل أن تكون سرية، كما أن هناك لغات كاملة للعديد من المهن، مثل لغة الصنايعية (العوالم، المنجدين، الحرامية، النجارين، القماشة، تجار الدهب، إضافة إلى لغة الشباب والتي يخترعها كل جيل.

لغة الشارع المصري

وأكد أن لغة الشارع المصري حاليا تسير في اتجاه التكثيف والاختصار، "يعني مش لازم جملة كاملة عشان توصل المعلومة، كلمة واحدة ممكن تعبر عن موقف كامل، ده حتى جزء من الكلمة ممكن يعمل كدة".

وهناك مستويات عديدة للغة، منها اللغة الإشارية التي تقول الكلام دون أن تفضح أي شيء، وهدفها التواصل العملي، وفيها تعبيرات بلاغية مثل الكناية والاستعارة، وتعتمد على التشفير المعنوي واللغوي.

وشرح "النمر" أن التشفير المعنوي في اللغات يعتمد على الإيجاز، يعني كلمة واحدة تعطي معنى غير معناها المباشر، أما التشفير اللغوي، فهو أيضا إيجاز، ولكن مع لعب بالأحرف والاشتقاقات، وهو غالبا يكون في اللغات السرية.

وهذه اللغة توصل ما تريده بكلمات قليلة، ممكن كلمة أو كلمتين، وأحيانا حرف واحد من الكلمة، المهم إنها توصل هدفها، ويكون فيه اتفاق بين المتحدث والمستمع على الاختصار ده، وهناك كلمات تنتشر بين ناس كتير، مثل الكلمات اللي تصف الرجولة، سواء بالإيجاب أو السلب، وكل صفة ليها معانيها اللي الناس فاهماها، مثل "رجالة: قش – ورق – هلس – هفأ". وكمان بيقولوا على الراجل: "شرابة خرج" – "حمار شغل"- "داقق عصافير" – "رِجل بنطلون" – "مختوم على قفاه" – "نابه أزرق" – "بتاع نسوان" – "عامل أبو العريف –بتاع كله" – "ما يتبلش فى بقه فوله"، وهي من الصفات السلبية، أما الصفات الإيجابية: "راجل مخلَّص"، "بَرَكَه" (أحيانا بمعناها السلبي)، "ملو هدومه"، "يملا العين"، "ابن أصول، ابن حلال، ابن ناس، ابن عز" ـ "متربى فى بيت أبوه".

إشارة وبلاغة

وإذا تأملنا هذه اللغة سنجد فيها نحت واشتقاق من أصل الكلمات، ما يؤكد قدرتها على الإشارة والبلاغة في نفس الوقت، فالكلمة الواحدة ممكن توصف مكانة الشخص وصورته، وتكون مثل المصطلح الذي يصف حالة وترمز لسلوك الإنسان، وهو ما يظهر في كلمات مثل: "فوريجى، هبيان، كلامنجى، دُغف، هلفوت، فاقد، جِبلَّه، أشفور، هنـكار، حلنجى، أونطجى، بروطه، آكالتى، طيشه، حرفوش، خـرونج، مدب، خيخه، قـرطاس، طرطور، لوح، مهياص، مطيباتى، طحش، فرفور، هفيه، كَوِرْك، خمَّه، لطخ، قفل، ترباس، بَجم، دلدول، طروبش، طربوش، دُهُل، كروديه، جردل، هلهلى، لطزانه، فِتك، حِرِكْ، فُنط، فلاتى، بُوْرَمْ، ملحلح، نطع، حِمش، غشيم، فقـرى، شـرانى، مقـطف، مخلَّص، شبَّيح، بورمجى، رِوِشْ، جِعر، بكَّاش، بجح، خِرِعْ، ملطشه، فنجرى، بُـق، (فنجرى بق)، مدهـول، ندل، حَويط، دنى، صايع، قله، عجله، خِرتى، فاييص، سِلباط، معرص، أَمَرْتِى، حلياط، جلياط، عربجى، رقاص، بوشين، ألعوبان، واطى، شكاى، شكـاك، وسواس، لئيم، قرعجى، خِنْتَه، شوال، عكاك، دحلاب، خاين، مجامل، طيب، أليط، عنطوز، أفندى، فاضى".

ولفت الدكتور عصمت النمر إلى أن الكاتب علي الألفي، رحمه الله، في مقدمة كتابه "الجيبتانا - أسفار التكوين المصرية"، قال إنه من أيام الأسرة السادسة والعشرين، في فترة حكم الملك بسماتيك والملك نكاو رع، بدأ الإغريق والحوريين "من أوروبا وشمالها" في التسلل إلى مصر، ولذلك فإن المتون المصرية القديمة بدأت تكتب باللغة الديموطيقية وهي اللغة العامية زمان، وبدأ كهنة المعابد في تعقيد كتاباتهم حتى لا يعرف الأجانب أسرارهم وسحرهم وطبهم.

كما يحكي الأب أبيب النقادي، وهو كان كاهن في كنيسة الريدانية منتصف القرن العشرين، أنه وجد مشقة كبيرة حتى يفهم متن قديم وجده في جرة في خرابات بني حسن في الأربعينيات، حتى اكتشف أن الكاتب القديم وضع حرف السين (أو السيجما) مكان الحرف الأول من كل كلمة، كما وضع كلمة زيادة بعد الكلمة الأصلية التي تبدأ بالسين، ويكون الحرف الأول من الكلمة الزيادة هو نفس الحرف الذي تم استبداله السين.

وضرب الأب أبيب مثال بعبارة "أنت لست كاهن يخدم آمون رع"، العبارة كانت مكتوبة هكذا: "سنت (أرنب) سست (لبن) ساهن (نبق) سخدم (ينسون) سامون رع (أوز)". 

تم نسخ الرابط