و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

وجوه العدو على الشاشة

عبقرية 10 فنانين تقمصوا شخصية «اليهودي الإسرائيلي» في سينما الحرب والجاسوسية

موقع الصفحة الأولى

شكلت أعمال الجاسوسية وسينما الحروب ركيزة أساسية في تاريخ الفن المصري، حيث تحولت الشاشة الفضية والتلفزيون إلى جبهة موازية لتوثيق فصول الصراع العربي الإسرائيلي وحروب الاستخبارات المعقدة. 
ولم يكن نجاح هذه الأعمال وليد الصدفة، بل كان نتاج عبقرية إخراجية ونصوص محكمة استندت إلى ملفات حقيقية، بجانب أداء تمثيلي استثنائي من فنانين واجهوا التحدي الأصعب، بالتقمص الكامل لشخصية «العدو».
وبحسب فنون الأداء، فإن تجسيد شخصية اليهودي الإسرائيلي، سواء كان ضابطاً في الموساد، أو مستوطناً، أو قيادياً سياسياً، تطلب حرفية تفوق مجرد إتقان اللكنة أو المحاكاة الشكلية؛ كما تطلب غوصاً في السيكولوجية الإسرائيلية لإظهار العدو في صورة واقعية تجمع بين الذكاء، والخبث، والضعف الإنساني في آن واحد، بعيداً عن الكليشيهات الكاريكاتيرية السطحية.
في هذا التقرير، نستعرض أفضل 10 فنانين برعوا في تقمص دور اليهودي الإسرائيلي في الدراما والسينما المصرية، والذين حفروا أسماءهم في وجدان المشاهد كعلامات فارقة في تاريخ أدوار الصراع الاستخباراتي.
الفنان إياد نصار أحدث نقلة نوعية في كيفية تقديم ضابط الجيش الإسرائيلي على الشاشة من خلال شخصية «ديفيد» في فيلم الممر عام 2019، حيث ابتعد نصار تماماً عن الأنماط التقليدية، وقدم شخصية معقدة ومستفزة لضابط واثق من غطرسته، يمارس الحرب النفسية والتنكيل بالأسرى بدم بارد. صرح نصار لاحقا بأنه واجه صعوبة نفسية بالغة لأنه لم يستطع التعاطف مع الشخصية، لكنه ركز على دراسة طريقة تفكير القادة الإسرائيليين ليظهر العدو قويا وذكيا، مما جعل لحظة انكساره وهزيمته في الفيلم ذات أثر درامي بالغ الأهمية وقوبلت باحتفاء جماهيري هائل.
يُعتبر الفنان القدير أسامة عباس واحداً من أبرز من قدّموا دور اليهودي الإسرائيلي بنعومة شديدة تخفي وراءها خطورة بالغة. برز هذا بوضوح في ملحمة الدراما الاستخباراتية «رأفت الهجان»، حيث جسد أسامة عباس شخصية «أورلو زوروف»، ذلك الرجل ذو العلاقات المتشعبة داخل المجتمع الإسرائيلي. تميز أداء أسامة عباس بالهدوء والاتزان، واستطاع بفضل نبرة صوته الهادئة وتعبيرات وجهه المتقنة أن يعكس طبيعة الشخصية التي تجمع بين حب المال والقدرة على المناورة، مقدماً نموذجاً مختلفاً ومميزاً للشخصية اليهودية في تل أبيب.
كما برع أسامة عباس فى تجسيد «إبراهام كلود» أو حسن سوكه، وهو أحد ضباط جهاز الاستخبارات الإسرائيلي ضمن أحداث مسلسل «دموع في عيون وقحة» عام 1980 .

السقوط فى بئر سبع

تألق كذلك الفنان سيد راضى في مسلسل «السقوط في بئر سبع» عام 1994، في تجسيد دور أحد أبرز ضباط الموساد الإسرائيليين «ديفيد» المسؤول عن إدارة وتوجيه شبكة التجسس. وقدم راضي أداءً مسرحياً وتلفزيونياً عبقرياً، تميز بالقدرة الفائقة على التلون؛ فبين اللين الشديد والوعود البراقة أثناء إغواء الجواسيس بالمال، والقسوة المفرطة والتهديد عند شعوره بالخطر، استطاع سيد راضي أن يجسد عقلية الإسرائيلي بكل تفاصيلها النفسية المعقدة والمرعبة. وهو نفس الأداء العبقري الذى أقنع به سيد راضي الملايين عندما جسد شخصية «أنطونيو» فى مسلسل رأفت الهجان.
ولا يمكن لأي متابع للدراما المصرية أن ينسى مشهد الفنان أبو بكر عزت في مسلسل «السقوط في بئر سبع» وهو يجسد شخصية ضابط الاستخبارات الإسرائيلي «أبو موسى» أو «عساف إيلي أهارون». ففي مشهد عبقري صار من علامات الدراما، طلب من الجاسوس «شفيق» كتابة طلب بخط يده ليقوم بتحليل ملامح خطه، كاشفاً بذكاء حاد عن أطماعه ونقاط ضعفه النفسية. أبو بكر عزت، الذي شارك أيضاً في الجزء الثالث من رأفت الهجان، برع في مزج الوقار الظاهري بالدهاء والقدرة على قراءة الوجوه واختراق النفس البشرية فى شخصية .
وفى دور مختلف تمكن أبو بكر عزت من التألق فى دور عامون بن اهارونو فى مسلسل رأفت الهجان بأداء استحق الاشادة والتكريم.
قدم الفنان القدير نبيل الدسوقي في مسلسل «رأفت الهجان» شخصية «مسيو شولومو صروف»، ذلك التاجر اليهودي مصري، وتميز أداء الدسوقي بالعمق الإنساني الشديد؛ حيث نقل ببراعة مشاعر الحنين إلى الماضي المصري الممتزج بالولاء والمواطنة الإسرائيلية الجديدة. 
ولم يقتصر تميزه على ذلك، بل امتد لتقديم أبعاد سياسية وتاريخية حينما جسد ببراعة لافتة ملامح وتفاصيل شخصية رئيس الوزراء الإسرائيلي «ديفيد بن جوريون» في أعمال أخرى مثل السقوط في بئر سبع.
الفنان محيي إسماعيل صاحب لقب «رائد السيكودراما» في مصر،  استطاع أن يقدم دور الضابط الاسرائيلي باقتدار في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي»، واعتمد في أدائه على الانفعالات النفسية الحادة، النظرات الثاقبة، والهدوء المريب الذي يسبق العواصف. لقد جعل «جوزيف» يبدو كآلة متحركة لا ترحم، وهو أداء فذ جعل الجمهور يكره الشخصية بشدة، وهو في حد ذاته شهادة نجاح كبرى لإتقانه وتقمصه العالي للعدو.

فرقة ناجي عطا الله

أما الفنانة تهاني راشد صاحبة أحد أكثر الأدوار النسائية نجاحاً وتأثيراً في دراما الجاسوسية من خلال شخصية «سيرينا أهاروني» في مسلسل رأفت الهجان. تميز أداء تهاني راشد بالواقعية المفرطة، والسر في ذلك يعود – كما صرحت في لقاءات تلفزيونية – إلى أنها عاشرت في طفولتها عائلات يهودية في مصر، مما مكنها من التقاط اللكنة المميزة وطريقة الحديث وردود الأفعال بدقة متناهية. أظهرت «سيرينا» كامرأة إسرائيلية قوية، مخلصة لعقيدتها، وفي الوقت نفسه صديقة مقربة ووفية للهجان، مبتعدة عن أي مبالغة فنية.

وعندما عرض مسلسل الجاسوسية السقوط في بئر سبع، تفاجأ الجمهور والنقاد بالأداء الأسطوري للفنانة القديرة إنعام سالوسة في تجسيد شخصية رئيسة وزراء الكيان الإسرائيلي «جولدا مائير». لم تكتف أنعام سالوسة بالمقاربة الشكلية المذهلة عبر المكياج، بل درست لغة الجسد الخاصة بـالمرأة الحديدية في إسرائيل؛ طريقة سيرها، نظراتها الصارمة، وحالة الانكسار والذهول التي أصابتها مع اندلاع حرب أكتوبر 1973.

كذلك برع الفنان القدير حسن عبد الحميد في تقديم شخصية «الخواجة شارل سمحون» في مسلسل رأفت الهجان. تميز أداء حسن عبد الحميد بالحرفية الشديدة والوقار، واستطاع عبر ملامحه الهادئة ونبرة صوته الرصينة أن يقنع المشاهد بأنه أمام شخصية حقيقية، فكان واحداً من الأعمدة الدرامية التي منحت المسلسل صبغته الواقعية العالية.
وقبل رحيله، ترك الأكاديمي والمخرج المسرحي الكبير الدكتور هناء عبد الفتاح بصمة فريدة في أدوار اليهودي الإسرائيلي. تألق في رمضان عام 2012 بعملين متزامنين؛ حيث قدم شخصية «مزراحي» في مسلسل «فرقة ناجي عطا الله» مع عادل إمام، وهو دور غلب عليه الشجن والحنين والخلفية الإنسانية واللكنة المتقنة. وفي نفس العام، تحول تماماً ليقدم الوجه الآخر العنيف والدبلوماسي من خلال دور «الخواجة»، عميل الوكالة اليهودية في مسلسل الجاسوسية الصفعة، ليثبت هناء عبد الفتاح بامتياز أن ملامحه وثقافته الواسعة مكنتاه من صياغة تفاصيل دقيقة ميزت أدواره الاستخباراتية.
إن نجاح هؤلاء الفنانين في تقمص دور «اليهودي الإسرائيلي» لم يكن مجرد استعراض للموهبة، بل كان جزءاً من معركة الوعي الفني؛ حيث نجحت السينما والدراما المصرية في تفكيك عقلية العدو وتقديمها للمشاهد العربي بوعي، عمق، وحرفية شديدة، مما جعل هذه الأعمال تعيش في الذاكرة الجمعية لعقود طويلة وتظل مرجعاً فنياً ملهماً للأجيال المتعاقبة.

تم نسخ الرابط