و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

كلما حلّت ذكرى أكتوبر، وعادت مشاهد العبور إلى الشاشات، أغرورقت عيناي بالدموع. تأخذني هيبة المشهد، وتغمرني فرحة النصر التي لا تشبهها فرحة. وفي كل عام أخرج من هذا المشهد بمعنى جديد، وفي هذا العام وقفت أمامه أتأمل.
العبور في السادس من أكتوبر لم يكن مجرد عبور لقناة. كان قرارًا سبقه صبر طويل، واستعداد، وتخطيط، وانتظار. ثم جاءت اللحظة التي لم يعد الانتظار فيها كافيًا، وكان لا بد من أن يُقال شيء حاسم.
هل نعبر؟
وكان الجواب: فلنعبر.
ولعل ما يميز لحظات التاريخ الكبرى أنها تبدأ بقرار، والقرار في جوهره اختيار: أن نتحرك بدلًا من أن نبقى في أماكننا، وأن نواجه بدلًا من أن نكتفي بالانتظار.
وبينما أتأمل معنى العبور، وأستحضر وجوه الجنود البواسل الذين قطعوا الماء إلى المجد، وجدتني أتذكر مسلسل «الاختيار». لم يكن الاسم عنوانًا عابرًا، بل كان قلب الفكرة. ففي جزئه الأول رأينا رجلين خرجا من المؤسسة العسكرية نفسها، ثم مضى كل منهما في طريق، حتى صار الاختيار هو الخط الفاصل بين مسارين ومصيرين.

ومن هنا بدأت أسأل: ماذا يعني أن نختار؟
كنت أستمع إلى الدكتور مهاب مجاهد في حديث عن العلاقات، حين قال جملة توقفت عندها طويلًا:
«أسوأ حاجة ممكن يعملها الإنسان إنه يختار أن لا يختار.»
علقت الجملة في ذهني، لأنها لا تخص العلاقات وحدها، وإنما تفتح بابًا أوسع لفهم الإنسان نفسه. وحين التقيته بعد ذلك، أخبرته كم أثّرت فيّ، واستأذنته أن أستعيرها في كتاباتي، فرحّب بكرم أقدّره له.
كان يتحدث عن العلاقات، لكن معناها امتد في نفسي إلى الحياة كلها. فقد يعيش الإنسان في علاقة يعلم أنها لم تعد تسعده، ومع ذلك يقرر البقاء. وقد يقرر الرحيل. وليس المهم أيهما اختار، وإنما أن يكون واعيًا بأنه اختار، وأن يعرف لماذا بقي أو لماذا رحل، وأن يحمل تبعات قراره بشجاعة.
وهنا يلتقي الاختيار بالحرية. لطالما رأيت أن الحرية هي قدرتنا على الاختيار. فالله خلق الإنسان وأعطاه العقل والإرادة، وترك له مساحة الاختيار: أن يؤمن أو يكفر، أن يسلك هذا الطريق أو ذاك، ثم حمّله مسؤولية ما اختار.
لكننا، في زحام الأيام، ننسى هذه المساحة التي نملكها. نستيقظ، ونذهب إلى العمل، ونعود، وننجز ما علينا، ونركض خلف الوقت، ونعيد الأيام نفسها كأنها نسخ متشابهة. وقد تمر

سنوات قبل أن نتوقف ونسأل أنفسنا:
هل هذه هي الحياة التي اخترتها، أم الحياة التي وجدت نفسي فيها فواصلت السير؟
والمفارقة أن عالمنا يمطرنا بالاختيارات، حتى فنجان القهوة لم يعد مجرد قهوة؛ أنواع، وطرق تحضير، ونكهات، وأحجام. نختار ما نرتديه، والطريق الذي نسلكه، وما نشاهده، وإلى أين نذهب، وماذا نشتري. نختار طوال اليوم، ومع ذلك قد نغفل عن اختياراتنا الكبرى. اعتدنا أن نختار بين الأشياء، حتى نسينا أن نتوقف لنختار لأنفسنا.
بل إن كثرة البدائل قد تُربكنا ، فبعد كل اختيار يلوح احتمال آخر، وظيفة أخرى، مدينة أخرى، إنسان آخر، حياة أخرى. فنظل نسأل: ماذا لو كان هناك ما هو أفضل؟ وهكذا تنقلب النعمة عبئًا، لأننا نريد أن نعرف نهاية الطريق قبل أن نخطو فيه بينما لا أحد يعرف ما كان سيحدث لو سلك طريقًا غيره.

حرية الاختيار 


لذلك ربما لا تكون الحرية في أن تُفتح أمامك كل الطرق، بل في أن تعرف أيها تختار، ولماذا.
وهنا أعود إلى أكتوبر. فالعبور الذي نحتفي به لم يكن انتقالًا من ضفة إلى ضفة فحسب، بل كان انتقالًا من حال إلى حال، ومن الانتظار إلى الفعل. وربما نحتاج نحن أيضًا إلى عبورنا الخاص؛ أن نعبر خوفًا يقيّدنا، أو ترددًا يؤجلنا، أو عادة لم تعد

تشبهنا، أو نسخة قديمة من أنفسنا لم نعد نريد أن نبقى أسرى لها.
فنحن قد لا نملك أن نختار كل ما يحدث لنا، لكننا كثيرًا ما نملك أن نختار كيف نواجهه، وإلى أين نمضي بعده.
وربما كانت الحرية الحقيقية شجاعتين متتاليتين: شجاعة الاختيار، ثم شجاعة العبور. أن نختار الطريق ونحن نعلم أن وراء كل اختيار مسؤولية، وأن وراء كل عبور بداية جديدة.
ولهذا، في ذكرى أكتوبر كما في كل يوم، يظل هذا هو السؤال الذي يستحق أن نواجه به أنفسنا:
ما الذي أحتاج أن أختاره اليوم، حتى أعبر إلى حياة أفضل؟

تم نسخ الرابط