و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

كيف تحقق الأمم انتصاراتها؟ هل الانتصارات، فى حياة الأمم، تحدث طفرة، أم هى عمل تراكمى تصنعه الأجيال؟ وهل هناك علاقة بين القدرة على تحقيق الانتصارات والقدرة على صنع التاريخ؟ وماذا يعنى التاريخ بالنسبة لحاضر الأمم ومستقبلها من منظور صنع الهوية الوطنية والشخصية الوطنية والحفاظ عليها متماسكة وصلبة؟

أسئلة مهمة أراها مترابطة فى سلسلة متصلة من التفاعلات تجعل من الانتصارات ركيزة أساسية لنهوض الأمم وإعلاء مكانة هويتها الوطنية وشخصيتها الوطنية. أقول ذلك بعقل الباحث الأكاديمى وبوعى المواطن الذى عايش الأحداث من بدايتها إلى ذروة ما وصلت إليه الآن، ونحن نحتفل بذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة، بانتمائى إلى ما يعرف بـ «جيل السبعينيات» الذى عاش الانتصارات واكتوى بنيران الانتكاسات. وهنا أود أن أؤكد حقيقتين بالنسبة لما حدث فى السادس من أكتوبر عام 1973.

الحقيقة الأولى هى أن ما تحقق لم يكن انتصارًا عسكريًا فحسب، ولكنه كان انتصارات كثيرة، أبرزها، بكل المعايير، هو انتصار الإرادة الوطنية التى انطلقت يومى التاسع والعاشر من يونيو عام 1967 من حناجر ملايين المصريين رافضة الهزيمة أو النكسة التى وقعت يوم الخامس من هذا الشهر الحزين، مزلزلة كل استكانة أو خنوع: «حنحارب». قالتها الملايين وهى تبرر رفضها لقرار الزعيم جمال عبدالناصر الذى أعلنه مساء التاسع من يونيو عام 1967 بالتنحى عن رئاسة الجمهورية، وإصراره على تحمل المسئولية الكاملة عن النكسة. أدرك المصريون فى اللحظة الأولى من إعلان هذا القرار أن تنحى جمال عبدالناصر لن يكون له غير معنى واحد هو الاستسلام وقبول الهزيمة، وأن هذا لا يعنى فقط ضياع سيناء، بل يعنى بالأساس ضياع «الحلم الوطنى» الذى تجسد فى طموح بناء «دولة العزة والكرامة».

أما الحقيقة الثانية فهى، أن هذه الانتصارات المجيدة لم تحدث من فراغ. صحيح أن العمل العسكرى والتدبير والقرار العسكرى كانت له كل الأولوية ضمن عملية إعادة بناء القوات المسلحة، الذى كان القرار الأول للرئيس جمال عبدالناصر منذ اختيار القيادة العسكرية الجديدة التى حدد لها مسئوليتها بـ «تحرير الأرض المحتلة»، وامتدادًا إلى انتصارات وبطولات «حرب الاستنزاف»، التى جرى تجهيز الجيش من خلالها لخوض معركة عبور قناة السويس وتحرير سيناء، ولكن هذه الانتصارات كانت محصلة لأدوار وبطولات أخرى كثيرة على مستوى إدارة الاقتصاد الوطنى الذى استطاع تحقيق أعلى معدلات نمو فى تلك السنوات الأربع ما بين عام 1967 وعام 1971. 

وليس سرًا هنا أن أعيد نشر ما سمعته من رئيس وزراء مصر العظيم وبانى نهضتها الصناعية الدكتور عزيز صدقى أن «القطاع العام المصرى كان القائد الحقيقى لنصر أكتوبر»، لأنه من تحمل عبء توفير كل احتياجات القوات المسلحة فى تلك السنوات، وكل مطالب الشعب فى حياة كريمة. وقال لى فى مكتبه بالحرف الواحد عام 2005: «أنا اديت تمام للرئيس السادات أن مصر تستطيع تحقيق الاكتفاء الكامل من كل احتياجاتها المعيشية والسلعية لمدة لا تقل عن ستة أشهر كاملة».. كما أن الشعب كله، وفى طليعته الشباب، خاصة طلاب الجامعات، هم من كانوا فى مقدمة من تحملوا مسئولية صنع النصر.

 فمئات الآلاف منهم الذين تخرجوا فى الجامعات المصرية فى تلك السنوات هم الذين كانوا البنية الأساسية الجديدة فى القوات المسلحة المصرية التى خاضت الحرب وحققت الانتصارات. أما الذين كانوا فى جامعاتهم فكانوا طليعة من كانوا أمناء على القرار الشعبى الصادر فى التاسع والعاشر من يونيو عام 1967، رافضًا الهزيمة والاستسلام. ففى يناير عام 1972 انتفض آلاف الطلاب فى جامعات مصر ضد ما اعتبروه فى ذلك الوقت، من وجهة نظرهم، «تلكؤا فى إصدار قرار الحرب» من القيادة السياسية. وصاغ الطلاب مطالبهم فى «وثيقة» أخذت اسم «الوثيقة الطلابية» التى كان فى أعلاها: ضرورة اتخاذ قرار الحرب دون تردد أمام أى متغيرات دولية أو إقليمية، على نحو ما كان يتردد إعلاميًا وسياسيًا، وأن يتحول الاقتصاد المصرى إلى «اقتصاد حرب» كى يكون فى مقدوره الوفاء بمطالب معركة تحرير سيناء. وشكلوا قيادة وطنية طلابية للحوار مع القيادات السياسية للبحث فى توفير كل شروط النصر.

اكتب هذا من موقع الشاهد والمشارك، فقد كنت أحد تلك القيادات الطلابية التى تحملت تلك المسئولية من موقعى كرئيس لاتحاد طلاب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وكعضو فيما سمى «اللجنة الوطنية العليا» التى أدارت الانتفاضة الطلابية، وممن صاغوا تلك «الوثيقة الطلابية».

مصر كلها حاربت

هذا يعنى أن مصر كلها حاربت، وأن مصر كلها انتصرت، لكن مازال السؤال حائرًا حتى الآن.. كيف يمكن تحويل الانتصارات إلى نهوض، وكيف يمكن حماية الانتصارات؟. وهنا نتذكر أسباب الإصرار المستمر من جانب البعض على فرض مشروع الهزيمة، وجعل «سردية النكسة» بمثابة مشروع وطنى بديل لـ «سردية الانتصار»، فالحديث عن النكسة مستمر على مدى العام، ولا يأتى الحديث عن الانتصار إلا فى موعد السادس من أكتوبر، وكأن هؤلاء قد توحدوا مع مشروع العدو الصهيونى الطامح إلى فرض السيطرة الإقليمية الأحادية على المنطقة بدعم أمريكى تحت مسمى زائف هو «الشرق الأوسط الجديد».

وإذا كان هذا هو الهدف الإسرائيلى فإنهم حريصون على تفريغ الذاكرة المصرية والعربية من معنى الانتصار، وكأن الانتصارات العسكرية هى حكر فقط على هذا العدو الذى أعلنها صراحة أنه «لن يسمح بوجود قوة إقليمية مجاورة قادرة على منافسته».

الرد على ذلك يجب أن يكون وضع انتصارات أكتوبر فى صدارة التأسيس لوعى وطنى جديد، ولذاكرة وطنية طامحة لبناء مشروع وطنى ناهض من خلال تحويل الانتصارات تلك إلى رافعة وطنية للنهوض وتخليد الأبطال والشهداء العظام الذين صاغوا بأرواحهم ودمائهم معالم المستقبل الذى نطمح إليه.

تم نسخ الرابط