و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

حين حذر الرئيس عبد الفتاح السيسي من «اغتيال المسؤولين معنويًا»، ومن نشر الإحباط واليأس ووقف البناء وتنفير الآخرين من الانضمام إلى العمل الحكومي، كان يتحدث عن مناخ تصبح فيه الكلمة قادرة على هدم ما تبنيه المؤسسات، حين يتحول التشكيك إلى حكم، والانطباع إلى حقيقة، والإنجاز إلى شبهة، وفي هذا السياق تبدو واقعة جامعة القاهرة جديرة بالتوقف، ليس بسبب الرقم الذي أُثير حوله الجدل، وإنما بسبب الطريقة التي جرى بها الانتقال من رقم مالي إلى اتهام كبير في وسائل الإعلام والمنشآت الرقمية.

فقد أثار المهندس طارق النبراوي، نقيب المهندسين السابق، جدلًا واسعا حول زيادة بلغت 8 ملايين دولار في إيرادات ملف الطلاب الوافدين بجامعة القاهرة، وربط هذا الرقم بالقول إن آلاف المصريين حرموا من فرصهم بسبب قبول الطلاب الوافدين، وهنا تحديدًا تكمن الثغرة الأساسية في هذا الطرح: الرقم لا يثبت النتيجة التي بُنيت عليه. فالـ8 ملايين دولار ليست إجمالي ما تحصل عليه الجامعة من الطلاب الوافدين، وإنما زيادة في إيرادات هذا الملف ارتبطت بتحسين الإدارة وتحصيل مستحقات وجذب مزيد من الطلاب الدوليين.

أما الانتقال من هذه الزيادة المالية إلى القول بحرمان آلاف المصريين، فيحتاج إلى بيانات أخرى تماما: عدد المتقدمين المصريين، والطاقة الاستيعابية، وأعداد المقبولين، والمقاعد المخصصة للوافدين، ثم دليل مباشر يثبت أن قبول وافد أدى إلى استبعاد مصري.

هذه البيانات هي الحلقة المفقودة في الرواية، فجامعة القاهرة تضم عشرات الآلاف من الطلاب المصريين، والوافدون يمثلون نحو 14% من إجمالي الطلاب المصريين، وفي كلية الهندسة يبلغ عددهم 1231 طالبًا من أصل 9043، أي أن المصريين يمثلون 86.4% من إجمالي الطلاب، وفي طب قصر العيني تبلغ نسبة الطلاب المصريين نحو 74% مقابل 26% للوافدين، لذلك فإن وجود الوافدين أو زيادة أعدادهم لا يساوي انتقاصًا من فرص المصريين.

بل إن الصورة الأوسع تكشف أن جامعة القاهرة حققت نموا واضحا في قدرتها على جذب الطلاب من الخارج؛ فقد ارتفع عدد الطلاب الوافدين من 24,474 في 2023/2024 إلى 33,872 في 2025/2026، بزيادة 38.4%، كما ارتفع عدد الوافدين في الدراسات العليا من 3150 إلى 5671، بزيادة تقارب 80%، وهذه الأرقام تقدم تفسيرا أكثر اتزانا للـ8 ملايين دولار: الجامعة نجحت في تنمية أحد مواردها من خلال توسيع حضورها في سوق التعليم الدولي، لا أنها اكتشفت فجأة مصدرًا لتمويل يأتي من جيوب الطلاب المصريين أو من مقاعدهم.

وهنا تحديدا تستحق جامعة القاهرة ورئيسها الإشادة بل والشكر أيضا؛ لأن إدارة جامعة بحجمها لا تقاس فقط بما تنفقه، وإنما أيضا بقدرتها على اكتشاف موارد جديدة وتعظيم الاستفادة منها، جذب آلاف الطلاب من الخارج، وتحويل الإقبال الدولي على الجامعة إلى موارد إضافية، يمثل جهدًا إداريًا يستحق التقدير، خصوصا في ظل المنافسة العالمية على الطالب الدولي، فالجامعات الكبرى في العالم لا تنتظر أن تأتيها الموارد وحدها؛ بل تبني حضورها الأكاديمي، وتستقطب الطلاب والباحثين، وتوسع شراكاتها، وتحوّل هذا الحضور إلى قدرة أكبر على التطوير.

والأهم أن العائد المالي ليس هو الغاية النهائية. فالـ8 ملايين دولار يمكن أن تتحول إلى أجهزة ومعامل، ودعم للبحث العلمي، وتطوير للمستشفيات الجامعية، وبنية رقمية أفضل، وبرامج أكاديمية أكثر تنافسية، ودعم اجتماعي للطلاب، وما أعلنته جامعة القاهرة عن دعم 4001 طالب وطالبة من غير القادرين والمتعثرين، بينهم 1259 طالبًا تحملت الجامعة نفقاتهم، بإجمالي تجاوز مليوني جنيه، يقدم مثالًا على أن تنمية الموارد يمكن أن تسير جنبًا إلى جنب مع المسؤولية الاجتماعية.

ومن هنا يصبح اختزال ملف كامل في رقم واحد ظلما للرقم وللجامعة معا، فالطالب الوافد ليس خصمًا للطالب المصري، واستقطابه لا يعني تلقائيًا إزاحة مصري من مقعده. بل إن وجوده يضيف للجامعة موردًا ماليًا وحضورًا دوليًا وشبكات علمية وثقافية تمتد خارج حدود مصر، والجامعة التي تستقبل طالبًا من دولة عربية أو إفريقية أو آسيوية لا تبيع له مقعدًا فحسب؛ إنها تصنع علاقة طويلة المدى بينه وبين مصر، وتمنح التعليم المصري امتدادًا يتجاوز حدود الحرم الجامعي.

البرهان

أما أخطر ما في الطرح محل الجدل فهو أن النتيجة سبقت البرهان، فالقول بحرمان «آلاف المصريين» يحتاج إلى إثبات رقمي مباشر، وليس إلى الاستناد إلى قيمة مالية لافتة. لا يمكن أن يصبح الرقم دليلًا على واقعة لم يثبت حدوثها أصلًا، وهذه ليست مسألة تفصيلية في ملف بهذا الحجم، لأنها الفارق بين النقد المبني على البيانات وبين صناعة رواية تبدأ بمعلومة صحيحة ثم تنتهي بنتيجة لا تحملها المعلومة.

وتزداد حساسية الأمر عندما تنتقل هذه الرواية عبر وسائل الإعلام والمنصات العربية، فتخرج من سياقها المحلي وتصل إلى جمهور لا يرى تفاصيل نسب القبول والطاقة الاستيعابية وأعداد الطلاب، وإنما يرى عنوانا صادمًا ورقما بالدولار، عندها يصبح من السهل أن تختزل جامعة القاهرة، بتاريخها العلمي ومكانتها، في انطباع سلبي صنعه تفسير واحد لرقم واحد.

والإنصاف يقتضي أن تقرأ تجربة جامعة القاهرة من الصورة الكاملة: زيادة في أعداد الوافدين، نمو كبير في الدراسات العليا، موارد إضافية، استمرار دعم الطلاب غير القادرين، وتوجه نحو تعزيز الحضور الدولي، هذه ليست صورة جامعة تتخلى عن طلابها المصريين، وإنما صورة مؤسسة تحاول أن توسع مواردها وقدرتها على المنافسة، مع استمرار دورها التعليمي والمجتمعي.

ولهذا فإن ما قام به رئيس جامعة القاهرة في ملف الطلاب الوافدين يستحق التقدير باعتباره جزءا من إدارة تسعى إلى تحويل الإمكانات إلى موارد، والموارد إلى تطوير، بل وسعيا مشكورا في تنفيذ التوجيهات الدولة المصرية في هذا الملف، والمطلوب ليس الوقوف عند حاجز الـ8 ملايين دولار، وإنما البناء عليها، ورفع سقف الطموح إلى عشرات الملايين، ثم توجيه هذه العوائد إلى ما يجعل الجامعة أكثر قدرة على خدمة طلابها وباحثيها ومستشفياتها ومعاملها.

إن المنافسة على التعليم الدولي أصبحت منافسة على المكانة والموارد والنفوذ العلمي والقوة الناعمة، ومن يريد لجامعة القاهرة أن تنافس في هذه الساحة لا يمكنه أن ينظر إلى استقطاب الطلاب الأجانب باعتباره عبئًا في ذاته، المطلوب أن تنافس الجامعة العالم، وأن تستخدم أدوات المنافسة لا أن تعاقب نفسها على امتلاكها.

ومن المهم هنا أن ندرك أن جذب الطلاب الوافدين ليس مجرد مورد مالي للجامعة، بل أحد مؤشرات حضورها الدولي، فالتصنيفات العالمية لا تنظر إلى الجامعة من زاوية البحث العلمي وحده؛ فتصنيف QS، على سبيل المثال، يضم ضمن منهجيته مؤشرات للانفتاح الدولي، من بينها نسبة الطلاب الدوليين، إلى جانب أعضاء هيئة التدريس الدوليين وشبكات التعاون البحثي الدولي. وفي المنهجية الحالية لـQS يمثل مؤشر الطلاب الدوليين 5% من التقييم الكلي، ضمن محور المشاركة العالمية، ولذلك فإن قدرة جامعة القاهرة على جذب عشرات الآلاف من الطلاب من خارج مصر لا تعني فقط زيادة في الإيرادات، وإنما تعكس أيضًا اتساع حضورها الدولي وجاذبيتها الأكاديمية، ومن يهاجم هذا المسار باعتباره عبئًا على الجامعة يتجاهل أن الجامعات الكبرى تتنافس عالميًا على جذب الطلاب والعقول والشراكات، وأن الجامعة التي لا تجذب العالم إليها تترك العالم لغيرها.

وما أُثير حول جامعة القاهرة يكشف بوضوح أن نجاح المؤسسة العريقة يزعج البعض أكثر مما يلفت نظرهم، فكلما تقدمت الجامعة ووسّعت حضورها، خرج من يبحث عن ثغرة في الإنجاز ليحوله إلى تهمة، لكن الحقد لا يصنع حقيقة، والضجيج لا يهزم الأرقام، ومن يحاول النيل من جامعة القاهرة عليه أن يتذكر أنه يواجه تاريخا ومكانة وإنجازا لا تمحوها عبارات عابرة، جامعة القاهرة أكبر من حملات التشويه، وأعرق من أن يُكتب تاريخها بأقلام خصوم النجاح.

وهنا تعود كلمات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي عن الاستهداف المعنوي للمسؤولين إلى صميم المشهد، فحين يتحول كل إنجاز إلى موضع تشكيك، وكل محاولة للتطوير إلى مادة للهجوم، فإن الرسالة لا تصل إلى مسؤول بعينه فقط، بل إلى كل من يفكر في أن يعمل ويجتهد ويترك أثرًا، العمل يُحاسَب بالنتائج، والمؤسسات تقيم بالحقائق، أما تحويل النجاح إلى تهمة فليس نقدا للإنجاز بقدر ما هو استهداف لمن اختار أن يصنعه.

في النهاية وبعد أن تهدأ الضوضاء، يبقى الوفاء لمن اختار طريق العمل، قد تعلو حملات التشويه لحظة، لكن الإنجاز أبلغ من كل الكلام، والأثر أبقى من كل العناوين، كل التحية للفقيه القانوني الدكتور محمد سامي عبدالصادق، فالصورة قد تتصدر المواقع، والكلمات قد تتبدل، أما ما يُبنى بإخلاص فيبقى شاهدًا لا تمحوه العواصف.

وللحديث بقية

تم نسخ الرابط