و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

كانت المدينة تحتفل، أبواب مفتوحة، وأهازيج تملأ شوارع طروادة، والناس يلتفون حول ذلك الحصان الخشبي الضخم باعتباره هدية النصر، ودليل انسحاب الإغريق بعد حرب استنزفت الجميع لعقد من الزمان، ووسط تلك الاحتفالات، كانت امرأة واحدة فقط تصرخ؛ لم تكن تحمل سيفا، ولم تقف على أسوار المدينة تقود الجنود، بل كانت تحاول فقط أن تجعل الآخرين يسمعون.

صرخت بأعلى صوتها، لكن لم يصدقها أحد، قالت: "إن الحصان ليس هدية، بل نعش كبير يحمل الموت في داخله، إن المدينة ستسقط إذا دخل الحصان أسوارها، وإن الفرح الذي يعيشونه الآن لن يدوم سوى ساعات قليلة،"؛ ضحكوا، وسخروا منها، واتهموها بالجنون؛ وفي الليل، خرج جنود الإغريق من جوف الحصان، فتحت الأبواب، واحترقت طروادة، وسقطت واحدة من أعظم مدن العالم القديم.

لعنة كاسندرا

هبة تحولت إلى لعنة لامرأة تدعى "كاسندرا"، ومنذ ذلك اليوم، لم تعد مجرد أميرة طروادة، بل أصبحت رمزا خالدا لمأساة تتكرر في كل عصر؛ مأساة الإنسان الذي يرى الخطر قبل الجميع، لكنه يعجز عن إقناع أحد به، ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن التاريخ لم يتذكر كاسندرا لأنها أخطأت في التنبؤ، بل لأنها كانت محقة في كل ما قالت.

حكاية تبدأ في الميثولوجيا الإغريقية مع الإله أبولو، الذي أُعجب بجمال ابنة الملك بريام، ومنحها أعظم هدية يمكن أن يحلم بها بشر؛ "القدرة على رؤية المستقبل"؛ لكن كاسندرا رفضت أن تبادله الحب، ولأن الآلهة لا تستطيع استرداد عطاياها، لم يسحب أبولو الموهبة منها، بل حولها إلى لعنة؛ جعلها ترى الحقيقة دائما، لكنه حرمها من أن يصدقها أحد، فلم تكن المشكلة إذن في الرؤية، بل في الاستجابة.

ترى كاسندرا كعادتها الكارثة بوضوح، بينما كان الآخرون يرون فيها مجرد امرأة تهذي؛ ومن هنا ولدت واحدة من أكثر المفارقات الإنسانية إيلاما: قد يكون امتلاك الحقيقة أقل ألما من العجز عن إقناع الآخرين بها، فكلما تقدم الزمن، اكتشف الإنسان أن ما عاشته أميرة طروادة لم يكن حادثة استثنائية، بل نمطا متكررا في التاريخ، فكم من عالم اكتشف الحقيقة فاتهموه بالجنون؟!، وكم من قائد حذر من حرب فلم يسمعه أحد؟!، كم من طبيب اخترع علاجا رفضه المجتمع؟، وكم من مفكر رأى الانهيار قبل وقوعه، لكنه لم يجد من يصغي إليه؟، وكم وكم كثيرة.

لهذا السبب خرجت كاسندرا من الأسطورة إلى علم النفس، ثم إلى السياسة، فالاقتصاد، فالأدب، وأصبحت رمزا عالميا لكل إنسان امتلك بصيرة سبقت عصره؛ لتبقى كاسندرا حية بعد ثلاثة آلاف عام، ليتبنى علم النفس الحكاية لتخرج كاسندرا من الأسطورة إلى المختبر؛ فظل اسمها حبيس الأدب لقرون طويلة، حتى بدأ علماء النفس والفلاسفة في القرن العشرين يتعاملون معها باعتبارها نموذجا يفسر سلوك البشر أمام الحقيقة.

غاستون باشلار، كان الفيلسوف الفرنسي، من أوائل من أعادوا إحياء الفكرة عندما استخدم "موقف كاسندرا" بوصفه استعارة فلسفية تشير إلى ميل الإنسان لإنكار المؤشرات الواضحة التي تنذر بالمستقبل، ليس لأنها غير منطقية، بل لأنها مزعجة _ فالعقل، كما رأى باشلار، يفضل الحاضر المريح على المستقبل المخيف، وبعد باشلار جاءت رائدة التحليل النفسي البريطانية ميلاني كلاين؛ لتمنح الأسطورة بعدا نفسيا أعمق، ففي قراءتها، لم تعد كاسندرا مجرد امرأة تتنبأ بالمستقبل، بل أصبحت تمثل صوت الضمير الإنساني؛ ذلك الصوت الذي يحذر الإنسان من عواقب أفعاله، بينما يحاول العقل الهروب منه أو إسكاته لأنه يثير القلق والخوف؛ وهكذا تحولت كاسندرا من شخصية أسطورية إلى مرآة تعكس الصراع الأبدي بين الحقيقة والإنكار.

وفي عام 1988، كان التحول الحقيقي عندما أصدرت عالمة النفس الأمريكية لوري لايتون شابيرا كتابها المرجعي The Cassandra Complex، الذي يعد حتى اليوم أهم دراسة متخصصة حول هذا المفهوم، فلم تكتف شابيرا بإعادة رواية الأسطورة، بل قدمتها باعتبارها حالة نفسية واجتماعية تتكرر في العصر الحديث، لتصبح لوري شابيرا، المرأة التي أعادت كتابة الأسطورة بلغة العلم، وبحسب شابيرا، فإن صاحب عقدة كاسندرا ليس شخصا يتخيل المستقبل، بل إنسان يمتلك قدرة استثنائية على التقاط المؤشرات المبكرة للأزمات، سواء داخل الأسرة أو المؤسسة أو المجتمع.

غير أن المشكلة تبدأ عندما يصطدم هذا الحدس بمجتمع لا يعترف إلا بما يمكن قياسه بالأرقام والوثائق، فالحدس، مهما كان دقيقا، يظل في نظر الآخرين مجرد شعور؛ وهنا تبدأ المأساة الحقيقية، كل تحذير يطلقه يقابل بالسخرية، كل إشارة يلفت إليها تفسر على أنها مبالغة، ومع مرور الوقت، لا يبدأ المجتمع وحده في إنكار الحقيقة، بل يبدأ صاحبها نفسه في الشك بقدراته، فتتحول العزلة إلى اكتئاب، والثقة إلى ارتباك، واليقين إلى صراع نفسي مرير؛ وهكذا، لا تقتل "لعنة كاسندرا" أصحابها لأنهم كانوا مخطئين، بل لأنها تجعلهم يعيشون الحقيقة وحدهم؛ حتى تأتي الكارثة لتتحدث نيابة عنهم.

كاسندرا لم تمت كاسندرا في طروادة، لقد غيرت اسمها فقط، التاريخ يكرر الأسطورة، مع علماء دفعوا ثمن الحقيقة قبل أن يكافئهم الزمن، ففي كل قرن تقريبا، يظهر شخص يرى ما لا يراه الآخرون، يقرأ المستقبل من خلال الوقائع لا من خلال الغيب، يحذر، ثم يجد نفسه في قفص الاتهام، بينما يتحول خصومه إلى أصحاب القرار، وحين تقع الكارثة، يكتشف الجميع أن المشكلة لم تكن في التحذير، بل في الآذان التي رفضت سماعه؛ كان أول هؤلاء، وربما أشهرهم، الفلكي الإيطالي جاليليو جاليلي، الذي قدم الأدلة، لكن الحقيقة اصطدمت بجدار السلطة، ليجد نفسه لا يناقش بالحجج العلمية، بل استدعي إلى محاكم التفتيش، واتهم بالهرطقة، وأجبر على التراجع عن أفكاره، وقضى ما تبقى من حياته تحت الإقامة الجبرية؛ احتاج العالم إلى سنوات طويلة حتى يدرك أن الرجل الذي حوكم باعتباره مخطئا، كان يرى أبعد من عصره، كان جاليليو كاسندرا أخرى.

ومن جاليليو ومأساة العلم والسلطة، إلى الطبيب المجري إيغناتس سيميلفيس، في مستشفى فيينا عام 1847، لاحظ سيميلفيس شيئا أربك الجميع، النساء اللاتي يلدن على أيدي الأطباء كن يمتن أكثر بكثير من النساء اللاتي تلدن على أيدي القابلات، ظل يراقب، ويقارن، ويبحث، حتى اكتشف أن الأطباء ينتقلون مباشرة من تشريح الجثث إلى غرف الولادة دون غسل أيديهم، فلم يكن يعرف الجراثيم بعد، لكنها كانت موجودة، طلب منهم فقط أن يغسلوا أيديهم بمحلول مطهر، لتحدث المعجزة، وانخفضت الوفيات من نحو 18% إلى أقل من 2%.

لكن بدلا من الاحتفاء به، اعتبره زملاؤه يهين شرف المهنة، ويروج لفكرة أن الطبيب قد يكون سببا في موت مرضاه، رفضوا تصديقه، سخروا منه، وعزلوه؛ ليموت في مصحة للأمراض العقلية قبل أن يثبت لويس باستور وروبرت كوخ أن الرجل كان على حق، لقد أنقذ ملايين الأرواح، لكن التاريخ لم ينصفه إلا بعد موته، مأساة الحقيقة مع الغرور البشري.

ومن إيغناتس سيميلفيس إلى ألفريد فيغنر، الرجل الذي سبق الأرض نفسها، ففي عام 1912، وقف عالم الأرصاد الألماني ألفريد فيغنر ليطرح سؤالا بسيطا، لماذا تبدو أفريقيا وأمريكا الجنوبية وكأنهما قطعتان من أحجية واحدة؟!، ولماذا تتشابه الأحافير والنباتات القديمة في قارات تفصل بينها آلاف الكيلومترات؟!، استنتج أن القارات كانت يوما ما قارة واحدة، ثم انفصلت تدريجيا عبر ملايين السنين.

فكرة بدت آنذاك ضربا من الخيال؛ ليهاجمه الجيولوجيون، وسخروا من نظريته، لأنه لم يكن قادرا على تفسير القوة التي تحرك القارات، مات في بعثة علمية وسط جليد جرينلاند، وهو لا يعلم أن الأجيال التالية ستبني علم الجيولوجيا الحديث على الفكرة نفسها التي سخروا منها، مرة أخرى، لم تكن المشكلة في الحقيقة، بل في توقيتها.

ومن أكثر قصص "كاسندرا" إيلاما، قصة الفيزيائي النمساوي لودفيغ بولتزمان، الذي كان مقتنعا بأن المادة تتكون من ذرات وجزيئات، وأن قوانين الطبيعة يمكن فهمها عبر الحركة الإحصائية لهذه الجسيمات، لكن كثيرا من كبار علماء عصره رفضوا أصلا الاعتراف بوجود الذرات، ليواجه الرجل النقد والسخرية، قضى سنوات عمره في الدفاع عن حقيقة لا يريد أحد تصديقها؛ ليدخل دخل في دوامة من الاكتئاب، ليقوده الإنكار إلى الانتحار عام 1906، وبعد فترة قصيرة فقط، جاءت تجارب أينشتاين وجان بيران؛ لتثبت وجود الذرات بصورة قاطعة، رحل بولتزمان و"بقيت الحقيقة". 

ولأن التاريخ لا يعترف بالتخصصات، انتقت لعنة كاسندرا من العلماء إلى السياسيين والخبراء الأمنيين، ومن أسوار طروادة إلى البيت الأبيض، تدخل كاسندرا عالم السياسة، ليكشف مستشار مكافحة الإرهاب الأمريكي ريتشارد كلارك، في كتابه الشهير "ضد كل الأعداء"، أنه ظل يرفع تقارير متكررة قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر، محذرا من عملية كبيرة لتنظيم القاعدة داخل الولايات المتحدة، كانت المعلومات متوافرة، وكانت المؤشرات تتراكم، لكن البيروقراطية، والخلافات السياسية، وسوء تقدير المخاطر، جعلت تلك التحذيرات توضع في الأدراج، ثم جاء صباح الحادي عشر من سبتمبر؛ لتتحول التقارير إلى وثائق تاريخية، وتتحول التحذيرات إلى حقيقة؛ وتحول كلارك، في نظر كثيرين، إلى "كاسندرا" العصر الحديث.

فكلارك لم يكن يملك قدرة خارقة على التنبؤ، بل كان يقرأ الوقائع قبل أن تتحول إلى كارثة، وهنا تتجلى المفارقة الكبرى التي صاحبت البشرية منذ طروادة وحتى اليوم؛ ليست المشكلة أن الحقيقة غامضة، بل إن البشر كثيرا ما يرفضون رؤيتها وهي واضحة أمام أعينهم، ولعل هذا هو السبب الذي جعل اسم كاسندرا يعيش آلاف السنين، بينما اندثرت أسماء ملوك وقادة كانوا يملكون الجيوش والسلطة، فالتاريخ قد ينسى المنتصرين، لكنه نادرا ما ينسى أولئك الذين حذروا، ولم يجدوا من يستمع إليهم.

وهنا يجدر السؤال لماذا لا نصدق أصحاب البصيرة؟!، ليجيب علم النفس عن هذا السؤال بإجابات تبدو بسيطة، لكنها تفسر كثيرا من مآسي التاريخ، فالإنسان لا يقاوم الحقيقة لأنها خاطئة، بل لأنها مكلفة، فالاعتراف بالخطر يعني تغيير العادات، ومراجعة القناعات، واتخاذ قرارات صعبة، لذلك يلجأ العقل أحيانا إلى الإنكار بوصفه آلية دفاعية تحميه من القلق، ويأتي بعد ذلك الانحياز التأكيدي، حيث يميل الإنسان إلى تصديق المعلومات التي تؤكد ما يؤمن به مسبقا، بينما يستبعد كل ما يهدد هذا الاستقرار، ثم يظهر ما يسميه علماء السلوك "تأثير النعامة"؛ أي تجنب الأخبار المزعجة، وكأن تجاهلها كفيل بإلغائها؛ لهذا لم تكن مأساة كاسندرا أنها رأت المستقبل، بل أن الآخرين فضلوا الراحة المؤقتة على الحقيقة المزعجة.

مأساة الإنسان

لكن!!، هل كل من يدعي التحذير هو كاسندرا؟!، هنا تكمن النقطة الفاصلة، فليس كل متشائم كاسندرا، وليس كل من يتوقع كارثة يمتلك بصيرة استثنائية، الفرق الحقيقي أن تحذيرات كاسندرا تستند إلى مؤشرات وقرائن وتحليل، لا إلى الخوف أو الشائعات أو الرغبة في لفت الانتباه، ولهذا فإن الدرس الذي تمنحه لنا الأسطورة ليس أن نصدق كل نبوءة، وإنما أن نمنح التحذيرات الجادة فرصة عادلة للفحص، وأن نقيسها بالأدلة قبل أن نسخر منها أو ندفنها في الأدراج، فكم من كارثة كان يمكن تجنبها لو أن أحدا توقف ليستمع؟! 

كاسندرا، رغم عدم امتلاكها للقوة أو النفوذ، كانت تملك الحقيقة، لكن التاريخ يثبت أن الحقيقة لا تنتصر دائما عند قولها، بل عندما تثبت الوقائع صحتها، أصبحت كاسندرا رمزا لمأساة الإنسان الذي يرى ما لا يراه الآخرون، ويتهم بالجنون حتى يأتي المستقبل ليؤكد صحة رؤيته، ورغم تقدم البشرية في العلوم والتقنيات، لا تزال تقع في نفس الفخ الذي وقعت فيه طروادة، حيث نميل لتصديق ما يطمئننا ونؤجل الاعتراف بالخطر حتى يصبح واقعا.

قصة كاسندرا ليست فقط عن الماضي، بل هي تذكير بأن الحضارات قد تسقط أيضا عندما ترفض الاستماع إلى التحذيرات قبل أن يتحول الخطر إلى واقع.

تم نسخ الرابط