و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

ما بين قتل للطبيب، واعتقال للجراح، وقصف لما تبقى من غرف عمليات _ إن وجدت _ في قطاع غزة؛ يصبح الجسد الفلسطيني مكشوفا بالكامل أمام الموت.. حرب ممنهجة على آخر ما تبقى من قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود.. فاستهداف المستشفيات، وسيارات الإسعاف، التي تحاول المرور بلا صوت؛ تبدو غزة اليوم؛ مدينة تقتلع فيها الحياة من جذورها.

مستشفيات تحولت من ملاجئ إنسانية إلى أهداف عسكرية، في واحدة من أكثر صور الحرب قسوة ووحشية في عصرنا الحديث.. فمنذ أكتوبر 2023، لم يعد ما يجري داخل القطاع مجرد عدوان عسكري تقليدي، بل عملية تدمير ممنهج للبنية التحتية الصحية.. سياسة متكاملة تستهدف كسر قدرة الفلسطينيين على البقاء؛ قصف لا يطارد منازل الفلسطينيين فقط، بل يمتد إلى غرف العمليات، العناية المركزة، أقسام الولادة، وسيارات الإسعاف، حتى الطواقم الطبية لم تسلم من الاستهداف، فهي ضمن قائمة أهداف الاحتلال.

ووفق المعطيات الموثقة من قلب غزة الجريح، خرج 34 مستشفى من أصل 38 عن الخدمة من أكتوبر 2023 حتى مايو 2026، في انهيار شبه كامل لمنظومة الرعاية الصحية داخل قطاع يضم أكثر من مليوني إنسان محاصرين بين القصف والجوع والمرض.. تخيل كم وحجم الكارثة، فما يجري في غزة لا يمكن اعتباره أضرارا جانبية للحرب، بل هجوما مباشرا على أحد أهم مقومات الحياة الإنسانية.. مشهد أقرب إلى نهاية عالم طبي كامل داخل قطاع غزة.

هنا في غزة لم يعد الموت حدثا غريبا، بل أصبح مشهدا يوميا _ حتى الأطفال اعتادوا هذا المشهد، فلم يعد حدثا استثنائيا، بل تحول إلى روتين يومي يتكرر تحت أضواء باهتة وأجهزة متوقفة؛ مئات المرافق الصحية مدمرة أو خرجت عن الخدمة، وسيارات إسعاف عاجزة عن الحركة جراء الاستهداف أو نقص الوقود، ممرات مليئة بالجرحى والمصابين، يفترشون الأرض في انتظار علاج قد لا يأتي أبدا.

مأساة تكشفها الأرقام، فحتى يومنا هذا استشهد أكثر من 1700 من العاملين في القطاع الصحي خلال أشهر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة؛ أطباء وممرضون ومسعفون، فيما تعرض المئات للاعتقال والاحتجاز في ظروف قاسية، من حرمان من الرعاية والغذاء، لاسيما احتجاز طويل بلا ضمانات قانونية.. استنزاف ممنهج للعقول الطبية، فلم يعد الهدف فقط قتل المصابين، بل قتل من يحاول إنقاذهم أيضا.

موت بطيء في قطاع غزة جراء الحصار الإسرائيلي، موت لا يأتي بالصواريخ والطائرات فقط، بل يسببه الحصار ومنع دخول الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية؛ لتتحول الأمراض المزمنة إلى أحكام إعدام مؤجلة.. مرضى السرطان لا يجدون جلسات العلاج، ومرضى الكلى يقفون أمام أجهزة غسل متوقفة، وأقسام عناية مركزة تواجه شبح الانهيار الكامل مع انقطاع الكهرباء ونفاد الوقود.

فكل دقيقة تأخير في دخول الإمدادات الطبية تعني مزيدا من الأرواح المعلقة بين الحياة والموت.. حتى الحضانات التي يفترض أن تمنح الأطفال الخدج فرصة للبقاء، أصبحت مهددة بالتوقف في أي لحظة، بينما يقف الأطباء عاجزين أمام نقص المعدات والأدوية، في معركة غير متكافئة بين الجسد الإنساني وآلة الحصار.

ورغم الحماية الواضحة التي يقرها القانون الدولي الإنساني للمستشفيات والطواقم الطبية، حيث تنص اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الدولية، على حماية المنشآت الصحية وعدم استهدافها إلا في ظروف استثنائية صارمة، تتطلب إنذارات واضحة وضمانات محددة.

منع الإمدادات

لكن ما يجرى في غزة كشف انهيار هذه القواعد أمام واقع تقصف فيه المستشفيات بلا توقف، وتمنع عنه الإمدادات، ويترك الجرحى لمصيرهم تحت الحصار.. فما يحدث في غزة يتجاوز مجرد جرائم الحرب، ليقترب من أحد أخطر أشكال الإبادة الجماعية، عبر خلق بيئة غير قابلة للحياة، ودفع السكان إلى الهلاك الجماعي من خلال الحرمان الممنهج من العلاج والغذاء والرعاية الأساسية.

وفي ظل عجز المجتمع الدولي عن وقف هذا النزيف، تتحول غزة إلى شاهد حي على انهيار الضمير الإنساني العالمي.. فحين تصبح سيارة الإسعاف هدفا، والطبيب مشروع شهيد، والمستشفى ساحة قصف، فإن الحرب لا تكون ضد فصيل أو مقاومة، بل ضد معنى الحياة نفسه.. ففي غزة اليوم، لا يقتل الناس بالقنابل فقط بل يقتلون أيضا حين يترك القلب بلا دواء، والطفل بلا حضانة، والجريح بلا غرفة عمليات، والمستشفى بلا كهرباء.. إنها حرب تدار ضد الحياة بكل تفاصيلها، حتى يصبح البقاء نفسه معجزة.

تم نسخ الرابط