هناك أشخاص نلتقيهم مرة واحدة، ولكن يظل أثر اللقاء حاضرًا في الذاكرة مهما مرت السنوات، وهناك رجال لا تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تدرك معدنهم؛ يكفي موقف واحد، أو لقاء عابر، لتعرف أنك أمام شخصية مختلفة.
ومن هؤلاء أتذكر المستشار الراحل أحمد الزند.
أتذكر أنني في نهاية عام 2015، وكنت وقتها قد حصلت حديثًا على درجة الدكتوراه في القانون، ذهبت إلى مكتبه لمقابلته وعرضت عليه اقتراحًا من الأفكار التي تضمنتها رسالتي للدكتوراه.
وأذكر هذا اللقاء حتى اليوم بكل تفاصيله الإنسانية.
لم أشعر لحظة أنني أجلس أمام وزير العدل، بكل ما يحمله المنصب من هيبة وبروتوكول، وإنما شعرت أنني أمام رجل «ابن بلد»؛ شجاع، بسيط، متواضع، يجلس ليستمع إلى شابة في بداية طريقها العلمي، ويمنحها من وقته واهتمامه ما يجعلها تشعر أن فكرتها تستحق أن تُسمع.
جلس معي، وأنصت إلى اقتراحي جيدًا، وناقشني فيه، وأبدى إعجابه به وتجاوبه معه، وأخذ مني الفكرة، وكان لهذا اللقاء أثر كبير في نفسي؛ خرجت يومها وأنا أشعر بالتفاؤل والارتياح، ليس فقط لأن وزير العدل استمع إلى اقتراح باحثة شابة، ولكن لأنني شعرت أن وراء المنصب إنسانًا يستطيع أن يرى الفكرة قبل أن ينظر إلى صاحبها؛ كما كرمني بنادي القضاة بمناسبة حصولي على الدكتوراه كأصغر دكتورة في مصر في القانون
وربما لهذا السبب تحديدًا، عندما سمعت خبر رحيله، لم أتذكر فقط وزير العدل أو رئيس نادي القضاة، وإنما تذكرت ذلك الرجل الذي جلس أمامي منذ سنوات يستمع باهتمام.
أما عن المستشار أحمد الزند القاضي، فذلك حديث يعرفه الجميع.
فقد ارتبط اسمه بمرحلة شديدة الحساسية من تاريخ مصر، وبمواقف قوية في الدفاع عن استقلال القضاء ورفض محاولات التدخل في شؤونه. وخلال فترة حكم جماعة الإخوان، كان من أبرز الأصوات القضائية التي واجهت محاولات المساس باستقلال السلطة القضائية، ورفض الإعلان الدستوري الصادر في نوفمبر 2012، كما وقف نادي القضاة في عهده في مواجهة محاولات التأثير على عمل المحكمة الدستورية العليا وإقصاء النائب العام.
ولم تكن مواقفه مجرد شعارات؛ فقد ارتبط اسمه بمعارك قضائية وقانونية للدفاع عن استقلال القضاء، وبمواقف اتخذها في وقت كانت فيه الضغوط شديدة، ولذلك التصق به لقب «أسد القضاة»، وهو اللقب الذي ظل حاضرًا في الحديث عنه حتى بعد رحيله.
وحين تولى وزارة العدل عام 2015، أعلن أن من أولوياته تذليل العقبات أمام القضاة، والتيسير على المتقاضين، والارتقاء بالخدمات، ومكافحة الإهمال والفساد الإداري، والعمل على تطوير وميكنة المحاكم. كما شهدت فترة توليه تحركات لحل عدد من الملفات الخاصة بالقضاة وتطوير البنية الإدارية والخدمية للوزارة.
قد يختلف الناس حول بعض مواقفه أو تصريحاته، وهذا طبيعي في شخصية عامة كانت حاضرة بقوة في مشهد شديد الاستقطاب، لكن الاختلاف لا يلغي أن الرجل ترك بصمة واضحة في تاريخ القضاء المصري، وأنه كان صاحب مواقف أعلنها وتحمل تبعاتها.
رموز القضاة
وربما كانت جنازته واحدة من أكثر الصور تعبيرًا عن مكانته؛ فقد شيع جثمانه من مسجد المشير طنطاوي في موكب مهيب، بحضور عدد من رموز القضاء وأعضاء النيابة والشخصيات العامة و الإعلامية.
وفي النهاية، نحن لا نملك أمام الموت إلا أن نذكر ما رأيناه، ونشهد بما عايشناه، ونترك الحكم لله وحده.
رحم الله المستشار أحمد الزند، وأسكنه فسيح جناته.
أما أنا، فسأظل أتذكره في صورة ذلك اللقاء الأول: وزيرًا في منصبه، لكنه جلس أمام باحثة شابة ببساطة ابن البلد، واستمع إليها باهتمام، ومنحها في دقائق شعورًا بأن فكرتها لها قيمة.
وهذا، في حد ذاته، موقف لا تنساه الذاكرة.
رحم الله المستشار أحمد الزند، وأسكنه دار الحق، وجزاه عن وطنه وقضائه خير الجزاء.




