و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

مدينة واحدة حملت أسماء إمبراطوريات كاملة؛ بيزنطة، ثم روما الجديدة، ثم القسطنطينية، ثم إسلامبول، وصولا إلى إسطنبول، مدينة لم يتغير اسمها فقط، بل تغيرت هويتها السياسية والدينية والحضارية مرات عديدة، بينما بقي البوسفور شاهدا على كل التحولات؛ حيث تلتقي آسيا بأوروبا، لم تكن الجغرافيا مجرد خلفية للتاريخ، بل كانت سببا في صناعة التاريخ نفسه، لأن من يسيطر على هذا الممر المائي يقترب من التحكم في واحد من أهم طرق التجارة والحركة بين البحر الأسود والبحر المتوسط.

وقبل أكثر من 2600 عام بدأت الحكاية، عندما أسس مستوطنون يونانيون من ميغارا مدينة بيزنطة في القرن السابع قبل الميلاد، لم يكن اختيار الموقع مصادفة؛ فالبوسفور منح المدينة موقعا استثنائيا بين قارتين، وجعلها نقطة عبور تجاري وعسكري لا يمكن للقوى الكبرى تجاهلها؛ ولهذا أصبحت بيزنطة مطمعا متكررا للقوى المحيطة، وكلما تغير ميزان القوة في المنطقة، كانت المدينة تدفع ثمن موقعها أو تستفيد منه.

ثم جاءت روما، وكان التحول الأكبر عام 330 ميلادية، عندما اتخذ الإمبراطور قسطنطين الكبير قرارا بنقل مركز الإمبراطورية إلى الشرق، وأعاد تأسيس المدينة باعتبارها "روما الجديدة"، لكن الاسم الذي انتصر في التداول كان القسطنطينية، نسبة إلى قسطنطين، لتدخل المدينة مرحلة جديدة أصبحت خلالها قلب الإمبراطورية الرومانية الشرقية، ثم ما عرف لاحقا بالإمبراطورية البيزنطية.

وفي هذه المرحلة تحولت المدينة إلى مركز سياسي واقتصادي وديني هائل، وشيدت فيها معالم بقيت شاهدة على قوة الإمبراطورية، وفي مقدمتها آيا صوفيا وأسوار المدينة الضخمة.. ولقرون طويلة بدت القسطنطينية عصية على السقوط؛ أسوار ثيودوسيوس جعلتها واحدة من أكثر مدن العالم تحصينا، لكنها لم تكن محصنة أمام الزمن.

وفي عام 1204 تعرضت المدينة للاحتلال والنهب خلال الحملة الصليبية الرابعة، في واحدة من أقسى الضربات التي تعرضت لها، ورغم استعادتها على يد البيزنطيين عام 1261، فإن الإمبراطورية عادت إلى المدينة وهي أضعف اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، حتى أصبحت القسطنطينية في القرن الخامس عشر ظلا للقوة التي كانت عليها من قبل.

ثم جاء عام 1453 ليقلب الصفحة بالكامل، في التاسع والعشرين من مايو سقطت القسطنطينية أمام الجيش العثماني بقيادة السلطان محمد الثاني، الذي كان في الحادية والعشرين من عمره، لم يكن سقوط المدينة مجرد انتصار عسكري؛ فقد انتهى معه حكم الإمبراطورية البيزنطية، وبدأ عصر عثماني جديد.

دخل السلطان محمد الثاني المدينة وأدرك أن من يملك القسطنطينية لا يملك مدينة فحسب، بل يملك موقعا يمكن أن يصبح مركزا لإمبراطورية عابرة للقارات، ولذلك انتقلت إليها عاصمة الدولة العثمانية، وبدأت عملية واسعة لإعادة تشكيل المدينة سياسيا وعمرانيا وسكانيا.. وفي العهد العثماني لم تختف أسماء المدينة القديمة دفعة واحدة، بل تعايشت تسميات متعددة.. ظهر اسم "كوستانتينيي" في الوثائق، واستخدمت أسماء مثل "الأستانة" و"دار السعادة"، وبرز اسم" إسلامبول" الذي ارتبط بالعهد العثماني، وغالبا ما فسر بأنه" مدينة الإسلام" أو" كثرة الإسلام".

وهنا تبدأ واحدة من أكثر القصص إثارة في تاريخ اسم المدينة، لأن إسطنبول وإسلامبول ليستا مدينتين مختلفتين، كما أن تحول الاسم لم يكن ببساطة استبدال كلمة بأخرى في لحظة واحدة.. فاسم "إسطنبول" له تفسير لغوي تاريخي واسع الانتشار يربطه بالعبارة اليونانية "إيس تين بولين"، أي "إلى المدينة"، وهو تعبير كان مستخدما في التداول الشعبي للإشارة إلى القسطنطينية.

ومع مرور الزمن تطور النطق حتى استقر في صورة "إسطنبول"، بينما استمر "إسلامبول" وغيره من الأسماء في سياقات عثمانية مختلفة، ولذلك فإن قصة الاسم ليست قصة مدينة اختفت وحلت أخرى محلها، وإنما قصة مدينة واحدة تراكمت فوقها لغات وحضارات وسلطات متعددة.. وفي الوقت نفسه كانت إسطنبول العثمانية تتغير في كل شيء؛ ارتفعت المساجد والقصور، وتوسعت الأسواق والمدارس، وبرزت معالم مثل مسجد السليمانية والجامع الأزرق وقصر توبكابي، وتحولت المدينة إلى مركز ضخم للإدارة والتجارة والثقافة.

تناقضات وتحولات

وفي شوارع إسطنبول تعايشت جماعات دينية وعرقية مختلفة، فأصبحت المدينة انعكاسا لطبيعة الإمبراطورية العثمانية نفسها، بكل ما حملته من تنوع وتناقضات وتحولات، لكن الإمبراطوريات لا تدوم، جاءت الحرب العالمية الأولى، انهارت الدولة العثمانية، ودخلت إسطنبول مرحلة الاحتلال من جانب قوات الحلفاء، ثم أعلنت الجمهورية التركية عام 1923، وفي عام 1930 استقر "إسطنبول" اسما رسميا للمدينة في الاستخدام الرسمي، لتبدأ صفحة جديدة في تاريخ الاسم، لكن الاسم الجديد لم يمح الأسماء القديمة؛ فما زالت بيزنطة حاضرة في طبقاتها الأثرية، والقسطنطينية حاضرة في الذاكرة التاريخية، وإسلامبول حاضرة في الإرث العثماني، بينما تحمل إسطنبول الحديثة كل هذه الطبقات في مدينة واحدة.

ورغم انتقال العاصمة السياسية إلى أنقرة عام 1923، لكن  المدينة التي حكمت إمبراطوريات لقرون فقدت صفتها كعاصمة، لكن إسطنبول لم تفقد موقعها ولا ثقلها؛ فالبوسفور بقي في مكانه، والتجارة بقيت، والتاريخ بقي، وتحولت تدريجيا إلى القلب الاقتصادي والثقافي الأكبر للجمهورية التركية.

فإسطنبول إذن ليست مجرد مدينة غيرت اسمها، بل مدينة تغيرت فوقها الإمبراطوريات، وتبدلت فيها اللغات والأديان والأنظمة السياسية، بينما بقي موقعها الاستثنائي أقوى من كل تغيير.. من بيزنطة إلى القسطنطينية، ومن إسلامبول إلى إسطنبول، مرت أكثر من 2600 سنة، وسقطت إمبراطوريات وولدت دول، لكن المدينة بقيت واقفة على البوسفور، تراقب التاريخ وهو يعبر من أمامها؛ كل إمبراطورية تركت فيها اسما، وكل عصر ترك حجرا، أما إسطنبول فاحتفظت بالجميع.

تم نسخ الرابط