حين كان الحج رحلة عمر لا يعود منها الجميع، طريق عبر قارة بأكملها لم يكن رحيما؛ صحراء قاحلة، شمس محرقة، عطش ينهش في أكباد القوافل، ورمال تبتلع الأقدام، وزد على ذلك قطاع طرق ينتظرون القادمين من بعيد منهكين كما تنتظر الذئاب فرائسها، كثيرون ماتوا قبل أن يروا الكعبة، دفنوا على قارعة الطريق بلا شاهد قبر، سوى دعاء عابر من رفيق رحلة أكمل السير وهو يعلم أن الدور قد يأتي عليه في المحطة التالية، ورغم ذلك لم تتوقف القوافل، كان الإيمان أقوى من كل ذلك.
لم يكن الحج قديما مجرد رحلة تحجز من خلال تذكرة بطائرة أو باخرة أو سيارات فارهة مكيفة، ولا أياما معدودات بين مطار وفندق ومخيم مكي مكيف، بل كان قدرا كاملا يكتب على الإنسان قبل أن يكتبه في أوراق السفر، فكان الحاج يودع أهله كما يودع من يمضي إلى المجهول، لا يعلم هل يعود إليهم بعد عامين، أم يدفن اسمه تحت كثبان الصحراء في طريق لا يرحم الضعفاء.
هكذا بدأت حكاية "درب الحج الإفريقي القديم"؛ فالطريق الذي عبره ملايين الحجاج من قلب إفريقيا إلى مكة المكرمة، سائرين على الأقدام والجمال، يطاردون نداء السماء؛ "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق"، ومن "الفج العميق" جاءت القوافل عبر إفريقيا البعيدة؛ ليخرج الحجاج من نيجيريا والنيجر، وتتحرك الجموع من تشاد وساحل العاج، في قوافل بشرية طويلة كأنها أنهار تمشي فوق الرمال؛ آلاف الكيلومترات تفصلهم عن مكة، وحرارة الصحراء كانت كفيلة بابتلاع العمر قبل الوصول، لكن الشوق في قلوبهم كان أقوى من الخوف، كان الشوق إلى مكة المكرمة وقودهم الذي يحرك قلوبهم قبل أرجلهم إلى رحاب الله.
كان الحجاج الأفارقة آنذاك يبدأون رحلتهم قبل موسم الحج بعام كامل، وأحيانا أكثر، عام للذهاب، وعام للعودة، رحلة قد يخرج إليها الشاب فيعود منها شيخا، أو ربما لا يعود؛ طريق أطول من أن يحمل الإنسان فيه زاده على كتفيه عبر شنطة سفر أو ما شابه ذلك؛ ليبتكروا حيلة اصطحبوا معهم قطعانهم من الأبقار والماشية، تسير معهم عبر الصحاري والقفار، يشربون من ألبانها، ويقتاتون من لحومها، ثم إذا وصلوا إلى مواني البحر الأحمر أو إلى مشارف الحجاز، باعوا ما تبقى منها لينفقوا على مناسكهم وما تبقى من رحلتهم.
وبعد الصحاري كانت بقعة من نور قبل الوصول إلى مكة، تسطع في آخر القارة، لتنير باقي الطريق وتنفض الغبار عن الحجاج، الذين قطعوا طريقا صعبا، القاهرة التي تستقبل القوافل الإفريقية، مدينة لا تشبه غيرها من المدن، مدينة تستقبل الحجيج من المغرب العربي والسودان، وهنا ينبض قلب العالم الإسلامي بالحركة والعلم والتجارة، فلم تكن القاهرة مجرد محطة عبور، بل كانت حضنا واسعا لهؤلاء الحجاج، ليهبطوا في أروقة أزهرها، وتكاياها وأسبلتها للتزود بالأمان قبل الماء والطعام.. هنا في القاهرة الملاذ الآمن الذي يلتقطون فيه أنفاسهم قبل أن يكملوا رحلتهم.
المحمل الشريف
ومن القاهرة تبدأ بقية الرحلة من "المحمل الشريف"، موكب مهيب يتحرك من القاهرة إلى سيناء ثم العقبة وصولا إلى الأراضي المقدسة بمكة المكرمة، كانت الرحلة من القاهرة أيسر على الحجيج عن طرق إفريقيا الوعرة المميتة، فكان حكام مصر يهتمون بدروب الحج إدراكا منهم بقيمة هذه الرحلة الإنسانية العظيمة، لاسيما خدمة الحجيج، التي كانت شرف يكتب في التاريخ.. وربما لهذا بقيت مصر حاضرة في ذاكرة الحجاج عبر القرون، باعتبارها أرض الأمان والعبور والطمأنينة، الأرض التي وصفها الله تعالى بقوله: "ادخلوا مصر إِن شاء الله آمنين"، فمصر لم تكن مجرد محطة على الطريق، بل كانت رئة يتنفس منها الحجاج قبل أن يكملوا رحلتهم نحو البيت الحرام.
واليوم ومع تغير الزمن، وتغيرت طرق الرحلة، وأصبحت أيسر على الحجيج، لكن المحرك الأول مازال موجودا ألا وهو الشوق لتلبية هذا النداء يوم عرفة" لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".








