و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

بعد سنوات من الحزن عشتها، وجدتك تشبه "إنكيدو".. فحين مات صاحبي، لم أصدق أنه مات.. لم أصرخ رغم الصرخات التي تهز الأرض بداخلي، لم أبك، رغم دموع قلبي، لم أسأل عن تفاصيل يتسابق الناس إلى معرفتها حين يفقدون عزيزا.. اكتفيت بالنظر إلى وجه الرجل الذي جاءني بالخبر، لا أنسى جملته التي وقعت على مسامعي كالصاعقة، رغم مرور سنوات كثيرة، ما بين إنكار الموت، كنت أنظر إليه حينها وأنتظر منه أن يبتسم ويعترف بأن الأمر كله مزحة ثقيلة، وأن حبيبي سيظهر بعد قليل من خلف الباب، لنعود معا إلى مكاننا المعتاد، ووقوفنا في مكاننا المفضل معا.. كأن الموت لم يجرؤ يوما على الاقتراب منه.

كانوا يتحدثون عن الوفاة، وعن المستشفى، وعن الساعات الأخيرة، أما أنا، فكنت أفكر في شيء واحد؛ كيف يمكن لإنكيدو، حيث كنا بالأمس معا، أن يصبح خبرا اليوم؟!، كيف يستطيع العالم أن يواصل دورانه بهذه الوقاحة، بينما اختفى شخص كان جزءا من الطريقة التي أفهم بها هذا العالم؟، لم يكن مجرد صديقي، كنا شخصا واحدا، رغم اختلافنا في أمور كثيرة.. كأن صديق وأخ وحبيب.. كان قريبا أكثر ما تخيلت يوما؛ لهذا قررت ألا أصدق.

لم يكن قراري بالإنكار شجاعة، ولا إيمانا بمعجزة، ولا حيلة واعية لتخفيف الحزن.. كان شيئا يشبه تمرد الروح على حقيقة لم تستطع احتمالها، قلت لنفسي إنهم أخطأوا، وإن الطبيب ربما التبس عليه الأمر، وإن قلبه الذي توقف لا بد أن يعود إلى النبض، وإن الموت قد يكون لحظة عابرة تخدع الأحياء قبل أن تعيد إليهم أحباءهم.. كنت أبحث عن ثغرة صغيرة في جدار الحقيقة، عن كلمة واحدة ينطق بها أحدهم لتمنحني الحق في تكذيب الجميع، لم أكن أريد تفسيرا لما حدث؛ كنت أريد فقط أن يتراجع كل ما حدث، وبين الأمرين مسافة لا يعرفها إلا من وقف ذات يوم أمام غياب لم يكن مستعدا له.

إنكار الفقد ومرارة الرحيل

مرت السنوات ومازلت أنكر هذا الموت، أعرف يقينا أنك لم تعد هنا، لكنني لم أستطع أن أقولها.. كيف أقول إنك مت، وأنت الذي كنت أراك في كل ما حولي؟، كيف أعترف بأن يداك اللتين صافحتاني بالأمس لن تمتدا إلي مرة أخرى، وأن صوتك الذي كان يبدد صمت الأيام صار محبوسا في رأسي، لا أستطيع أن أسمعه إلا حين أستدعيه؟، كيف أصدق أن الإنسان الذي اقتسم معي العمر والضحكات والأسرار، والذي عرف عني ما لم أقله لأحد، أصبح فجأة عاجزا عن معرفة أنني ما زلت أنتظره؟

كنت أريد أن أوقظك، لا أن أودعك.. أن أهز كتفيك كما كنت أفعل حين تستغرق في النوم، وأن أصرخ في وجهك لأنك تركتني وحدي في منتصف الطريق.. كنت أريد أن أعاتبك على رحيل لم تختره لأنك كنت محبا للحياة، وأن أتهمك بالأنانية لأنك سبقتني إلى الغياب، هل الغياب فضلت؟!، أم وجدته أجمل فقررت الرحيل، دون الرجوع إلي!!.. لم أكن أبحث عن معجزة بقدر ما كنت أبحث عن استمرارك؛ أن تظل الأشياء كما كانت، وأن تبقى صداقتنا أكبر من تلك اللحظة التي قرر فيها جسدك أن يتوقف، رغم وجود طيفك دائما أمامي، لكنك غير موجود.

دفنوك، وكأنهم يملكون اليقين بأن حفنة التراب قادرة على إنهاء حكاية كاملة.. وقفت بعيدا، أراقب الوجوه التي تتبدل عليها ملامح الحزن، وأسمع كلمات المواساة تتكرر حتى فقدت معناها.. كانوا يقولون إن الموت حق، وإن هذه سنة الحياة، وإن علينا أن نرضى بما لا نملك تغييره.. كنت أسمعهم كما يسمع الغريق أصوات الناس من فوق سطح الماء؛ أراهم يتحركون، وأدرك أنهم يتحدثون، لكنني لا أفهم كيف يستطيعون الوقوف على أرض ثابتة بينما الأرض نفسها تنهار تحت قدمي، وعدت وتركتك للموت، عدت ولا أعلم كيف عدت!!

لم أكره الموت يومها لأنه أخذ منك الحياة فحسب، بل لأنه انتزع مني الحق في تخيل الغد كما عرفته، كنت أتصور سنواتنا القادمة، أحاديثنا التي لم تنته، أسرارا لم نكشفها بعد، وطرقات كنا ننوي أن نسلكها معا، لم يكن الغد بالنسبة إلي تاريخا على التقويم، بل موعدا بيني وبينك، وحين مت، لم ينته الماضي وحده، بل بدا المستقبل كأنه فقد صاحبه أيضا، لقد أخذ الموت جسدك، لكنه تركني أمام حياة لا أعرف كيف أعيشها بالصورة التي كنت أتصورها.. عشت بالحزن الذي كنت لا أعرفه ولم يعرف لي سبيلا قبل هذا اليوم، عشت وعاش معي إلى الأبد.

بعد رحيلك، اكتشفت أن الإنسان لا يخاف الموت لأنه يجهل ما بعده فقط، بل لأنه يعرف ما الذي سيتركه خلفه.. كان إرنست بيكر محقا حين كشف كيف يحاول الإنسان الهرب من حقيقة فنائه، وكيف يبني حول نفسه عالما من المعاني والإنجازات والعلاقات كي يقنع نفسه بأن وجوده لن ينتهي بانتهاء جسده، لكنني لم أكن أفكر في موتي آنذاك؛ كنت أواجه موتك أنت، لقد كنت إنكاري الأول للموت، ثم أصبحت دليلي عليه؛ فقبل رحيلك، كنت أسمع عن الموت كأنني أسمع عن مدينة بعيدة لن أزورها.. كنت أعرف أنه موجود، لكنني لم أشعر بأنه يملك طريقا إلي.. أما بعدك، فقد صار يسكن التفاصيل؛ في رنين الهاتف حين يتأخر أحدهم في الرد، في خبر عابر عن حادث، في وجه رجل مسن يعبر الشارع بصعوبة، وفي كل مرة أودع فيها شخصا أحبه.. لقد تركتني أمام حقيقة لم أطلب معرفتها أبدا؛ أن كل يد أمسك بها قد يأتي يوم لا أستطيع فيه الإمساك بها، وأن كل صوت أطمئن إليه قد يتحول إلى ذكرى، وأن الحب، على عظمته، لا يمنح أصحابه حصانة ضد الفناء.. عشت وما زلت أخوض معركتي الأخيرة لإنقاذك من كلمة "كان".

تم نسخ الرابط