هل يمكن أن نتخيل جنديًا مصريًا يتعثر حين يكتب ما في قلبه بالعربية أو يطول به الوقت أمام سطر عربي واحد أو ينفعل في لحظة صدق فتفلت منه الكلمات بلغة أخرى لأنها الأقرب إلى لسانه؟.. قد يبدو السؤال قاسيًا لكنه حقيقي.
ومن هنا أعلن تأييدي لقرار وزير التربية والتعليم الساعي إلى تعزيز مكانة العربية وأشجعه وأسانده بصفتي مصرية تعتز بلغتها ، ولأنني أم، أتفهم مخاوف الأمهات وحقهن في أن يردن لأبنائهن أفضل تعليم وأوسع فرصة، لكنني أقول لكل أم : أنتِ أم جندي الغد وما تغرسينه في لسانه اليوم يحمله غدًا في كل ما يكتب ويقول، ولسنا نختار بين مستقبل أبنائنا ولغتنا فنستطيع أن نمنحهم العالم كله ويبقى لهم بيتهم الأول.
اللغة والهوية
لكن القضية أكبر من المناهج والامتحانات؛ إنها نظرة تسللت إلى عقولنا حتى صرنا نظن أن اللسان الأجنبي مرتبة أعلى وأن الجميل يأتي دائمًا من بعيد. هذا هو الاستعمار الفكري، لا يأتي بجنود ولا بأعلام بل يقنع الشاب بأن أصله قديم وأن الغريب أجمل، وقد وقعنا فيه في غفلة منا فلم ننتبه إلا حين رأيناه في لسان أبنائنا. وأنا أرفض هذه الفكرة وأدعوكم لرفضها معي.
وقد كتبت من قبل في مقالي «مصر أم إيجيب وما بينهما» عن
المسافة بين الهوية التي نحملها وحياتنا اليومية، ثم جلست يومًا مع كاتب كبير يشهد الجميع بقوة لغته فاكتشفنا أن أبناءنا نحن الحريصين على العربية يتحدثونها بقدر محدود، فإذا كان هذا حالنا فكيف بمن لم ينتبه بعد؟
غير أن ما يمنحني الأمل أن مصر لم تستسلم لهذه الفكرة يومًا، فالاستعمار الذي غيّر لسان بلاد كثيرة لم يستطع أن يغيّر لسانها وسر ذلك عندي في الأم المصرية؛ حين تحدثت المدارس والدواوين بغير لسان أهلها جلست في بيتها تغني لأطفالها وتحكي لهم حكاية بلدهم بالعربية فنجت اللغة في حضنها. وهي امتداد لنساء لم ينكسرن عبر التاريخ فإذا حفظت جداتنا اللغة في زمن الاحتلال فنحن قادرات على حفظها في زمن الحرية.
وأقولها من تجربتي؛ في شبابي كنت أجد التعبير بالعربية أصعب عليّ منه بالإنجليزية والفرنسية ولم أنظر إلى ذلك بارتياح بل بخذلان من نفسي، لكن هذا الخذلان دفعني إلى أن أتقن لغتي فاعتزازي بمصريتي وعروبتي ولغتي الأم هو البوصلة التي أعود إليها دائمًا وأنا ممتنة لأسرتي ومدرستي اللتين غرستا فيّ هذا الاعتزاز.
واليوم يأتي دور القوة الناعمة بعدما صار البيت وحده لا يكفي، فالأفكار لا تصنع حبًا والمطلوب أن يتحول الاقتناع إلى فخر؛
أن يفخر الشاب لأنه يتحدث العربية وأن يرى فيها ما يرفع رأسه لا ما يثقل لسانه. وقد دخلت لهجتنا بيوت ملايين العرب عبر السينما والدراما والأغنية لأن فنانينا عرفوا كيف يصلون إلى القلوب فبوسعهم أن يفعلوا ذلك مع اللغة والتاريخ، أريد دراما تجعل شبابنا يقولون عن حضارتهم: هذا أنا وهذه جذوري وإعلامًا يمحو ما علق بالعقول من أن الغريب أجمل. يا صناع الفن والكلمة هذه رسالتكم.
ولا يقف الأمر عند الفخر فحين يعلم التلميذ أن إتقان العربية سيكون شرطًا للوظيفة داخل مصر حتى في الشركات الأجنبية العاملة على أرضها سيدرك أنها ليست مادة تُحفظ ثم تُنسى بل رصيد يفتح له الأبواب ، وتبقى اللغات الأخرى ميزة تُضاف إلى هذا الرصيد لا بديلًا عنه.
وكل هذا لا يتحقق إلا إذا تكاتفنا. فهذه معركة لا تُكسب بجهد فرد ولا بقرار واحد بل بأيدٍ كثيرة تشتد معًا ؛الأسرة أول الصف والمدرسة سندها والفن والإعلام صوتها وصاحب العمل شريكها. فيا أم جندي الغد ويا كل من حولها ابدؤوا اليوم بخطوة صغيرة، كتاب قبل النوم أو أغنية قديمة أو حكاية عن الجد.
فمصر التي عبرت آلاف السنين وبقيت تعرف نفسها لن تضيع لغتها في عهدنا. هذه لغة أجدادنا ولن نكون الحلقة التي
انقطعت عندها وأنا ابنة هذا البلد التي تغار عليه وأم تحلم برؤية أبنائها يمشون في العالم رؤوسهم مرفوعة وفي قلوبهم بيت اسمه مصر. فلنتكاتف فاللغة من حضن الأم حُفظت ومن حضن الأم تعود




