صفعة لاعبة التنس تفتح 3 جبهات قضائية
مخاطبة وزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية والاتحاد لضم القرارات المتعلقة بالواقعة للبلاغ
لم تكن مباراة تنس الطاولة في مدينة شيفيلد البريطانية هي نهاية الحكاية بالنسبة للاعبة الصغيرة زينة، التي لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها، بل تحولت لقطة أعقبت إحدى المباريات إلى بداية مسار قانوني يفتح ثلاثة ملفات متشابكة تصرف المدرب مع لاعبته، ومسؤولية النادي عن حماية ناشئيه، وحدود دور الأسرة في الدفاع عن طفلتها عندما تصبح سلامتها محل جدل.
بدأت الحكاية خلال مشاركتها في منافسات «أسبوع الأمل العالمي» لبطولة تنس الطاولة، حين توجهت اللاعبة إلى مدربها عقب انتهاء إحدى المباريات لتحيته ومصافحته، وفقًا لما أورده البلاغ الذي تقدم به الدكتور هاني سامح، المحامي، إلى النائب العام. لكن المشهد، بحسب وصف البلاغ للتسجيل المصور، انتهى بصفعة على وجه الطفلة، أعقبها إلقاؤها مضرب تنس الطاولة، في واقعة أثارت تساؤلات حول حدود التعامل مع اللاعبين الصغار، وما إذا كان الانضباط الرياضي يمكن أن يتحول إلى اعتداء بدني.
ومن هذه اللحظة، لم يعد الأمر مقتصرًا على تصرف مدرب خلال منافسة رياضية، بل انتقل إلى ساحة القانون، بعدما تقدم المحامي ببلاغ حمل رقم 2103044، ضد محمد ممتاز، مدرب تنس الطاولة بنادي الزمالك، ورئيس مجلس إدارة النادي، ووالدة الطفلة، مطالبًا بالتحقيق في مسؤولية كل طرف، وإحالة من تثبت مسؤوليته إلى المحاكمة الجنائية.
من لقطة على الطاولة إلى تحقيقات النيابة
في قلب البلاغ يقف المدرب، باعتباره الشخص الذي كان يتولى تدريب لاعبة تنس الطاولة والإشراف عليها رياضيًا.
وهنا يطرح مقدم البلاغ سؤاله الأساسي أين تنتهي سلطة المدرب في التوجيه والانضباط، وأين تبدأ المسؤولية القانونية عن الاعتداء على طفلة؟
البلاغ لا يقبل التعامل مع الصفعة باعتبارها مجرد انفعال عابر أو وسيلة للتأديب، ويتمسك بأن العلاقة التدريبية تفرض على المدرب مسؤولية إضافية في حماية اللاعب الصغير، لا أن تمنحه سلطة المساس بسلامته الجسدية أو كرامته.
واستند المحامي في طلباته إلى المادة 242 من قانون العقوبات بشأن الضرب، والمادة 96 من قانون الطفل بشأن تعريض الطفل للخطر، والمادة 7 مكررًا «أ» من القانون ذاته، التي تتناول حظر تعريض الطفل عمدًا للإيذاء البدني الضار أو الممارسات الضارة وغير المشروعة.
كما طالب بتطبيق المادة 116 مكررًا من قانون الطفل، بشأن تشديد العقوبة في الحالات التي تقع فيها الجريمة من بالغ على طفل أو ممن يتولى ملاحظته ورعايته، وفقًا لشروط النص القانوني.
ويشير البلاغ إلى أن الشرطة البريطانية تدخلت وألقت القبض على لمدرب تنس الطاولة على خلفية الواقعة، وفقًا للتقارير الصحفية وبيان وزارة الشباب المشار إليهما فيه، قبل الإفراج عنه لاحقًا. وطالب المحامي بمخاطبة السلطات البريطانية للحصول على محاضر الضبط والتحقيق والتسجيلات الأصلية وأقوال الشهود والقرارات الصادرة في الواقعة، بما يسمح بفحص ملابساتها استنادًا إلى مستندات رسمية.
لكن الحكاية لا تتوقف عند المدرب؛ إذ يفتح البلاغ بابًا آخر يتعلق بمسؤولية إدارة نادي الزمالك عن توفير بيئة آمنة للأطفال الذين يمارسون رياضة تنس الطاولة تحت إشراف مدربيه.
ومن هنا، انتقل الاتهام في البلاغ إلى مستوى إداري أوسع، عبر مطالبة النيابة العامة بالتحقيق في مدى التزام النادي بواجبات اختيار المدربين ومتابعة سلوكهم، ووجود آليات واضحة لمنع الاعتداء البدني أو التعنيف النفسي بحق الناشئين فى تنس الطاولة.
كما طالب بفحص ما إذا كانت هناك شكاوى سابقة، إن وجدت، تتعلق بأسلوب التعامل مع اللاعبين الصغار فى تنس الطاولة، وما الإجراءات التي اتخذتها إدارة النادي عقب الواقعة، وصولًا إلى تحديد ما إذا كانت هناك مسؤولية إدارية أو أدبية أو مسؤولية جنائية شخصية تثبت في حق أي مسؤول.
واستند البلاغ في هذا الجانب إلى المادتين 11 و45 مكررًا من قانون الرياضة، باعتبارهما من النصوص التي يستند إليها في طرح التزامات الأندية ومسؤوليها تجاه سلامة الرياضيين.
وفي هذا السياق، أشار مقدم البلاغ إلى قرار وزير الشباب والرياضة جوهر نبيل بإيقاف مدرب تنس الطاولة عن ممارسة النشاط الرياضي، وتوجيه اللجنة الأولمبية المصرية والاتحاد المصري لتنس الطاولة إلى إجراء تحقيقات عاجلة واتخاذ الإجراءات القانونية والتأديبية اللازمة.
وبذلك، لم يعد السؤال المطروح في البلاغ متعلقًا فقط بما جرى في لحظة المواجهة بين المدرب واللاعبة، وإنما امتد إلى الإجراءات التي يفترض أن تمنع تكرار مثل هذه الوقائع، والجهة التي تتحمل المسؤولية إذا ثبت وجود تقصير في حماية الناشئين.
أما الجبهة الثالثة، فهي الأكثر حساسية في تفاصيلها؛ إذ وضع البلاغ موقف والدة الطفلة تحت دائرة الفحص، على خلفية تصريحات إعلامية دافعت فيها عن المدرب، ونفت وقوع الصفعة وفقًا لما أورده مقدم البلاغ، ووصفت ما حدث بأنه مجرد «تهويش».
ويرى المحامي أن هذه التصريحات تستوجب التحقيق في مدى قيام الأم بواجبات حماية ابنتها، وما إذا كانت على علم بأي ممارسات تعنيفية سابقة، أو تعرضت الطفلة لضغوط تدفعها إلى إنكار الواقعة أو التقليل من آثارها.
لكن هذه المطالب تظل اتهامات ووجهات نظر وردت في البلاغ، ولا تعني ثبوت مسؤولية الأم جنائيًا لمجرد دفاعها عن المدرب أو اختلاف روايتها عن الرواية التي يتبناها مقدم البلاغ؛ إذ يتطلب الأمر تحقيقًا في الوقائع والأدلة وتحديدًا لما إذا كان هناك فعل يجرمه القانون.
ويتمسك البلاغ بأن مسؤولية الأسرة عن الرعاية والحماية لا تعني إباحة الاعتداء على الطفل أو التنازل عن سلامته، مستندًا إلى المادتين 3 و4 من قانون الطفل بشأن أولوية مصلحة الطفل والتزامات الوالدين، إلى جانب المادتين 60 و80 من الدستور بشأن حماية الجسد والطفولة من العنف والإساءة وسوء المعاملة.
وبعيدًا عن تحديد المسؤوليات الجنائية والإدارية، خصص البلاغ جانبًا من طلباته لما اعتبره ضرورة لحماية اللاعبة نفسها، حتى لا تتحول القضية إلى مواجهة بين الكبار بينما تظل الطفلة في قلب الأزمة.
وطالب بسماع أقوالها بصورة مستقلة عن المدرب والأسرة، مع الاستعانة بمتخصصين في شؤون الطفولة عند الاقتضاء، وإجراء الفحوص الطبية والنفسية اللازمة، واتخاذ التدابير التي تحول دون تعرضها لأي ضغوط أو اعتداءات جديدة.
كما طالب بإخطار خط نجدة الطفل بالمجلس القومي للطفولة والأمومة ولجنة حماية الطفولة المختصة، للتحقق من سلامة البيئة الأسرية والرياضية المحيطة بها، وضمان قدرتها على مواصلة ممارسة الرياضة في ظروف آمنة.
وامتدت الطلبات إلى مخاطبة وزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية المصرية والاتحاد المصري لتنس الطاولة، لضم التحقيقات والقرارات المتعلقة بالواقعة إلى ملف البلاغ.
في النهاية، تكشف تفاصيل البلاغ عن نزاع تتجاوز حدوده لقطة الصفعة نفسها؛ فهناك مسؤولية محتملة للمدرب عن تصرفه، وأسئلة بشأن دور إدارة النادي في حماية الناشئين، وجدال حول موقف الأم من الواقعة، إلى جانب ضرورة ضمان سلامة الطفلة نفسيًا وبدنيًا.
لكن الفصل في هذه الملفات لا تحسمه اللقطة المصورة وحدها، ولا الاتهامات الواردة في البلاغ، وإنما ما تسفر عنه التحقيقات والأدلة الرسمية، ومدى انطباق النصوص القانونية على كل طرف على حدة.
وبين ما ظهر في التسجيل، وما أورده البلاغ، وما ستكشف عنه التحقيقات، تبقى القضية أمام اختبار قانوني وإنساني واحد: كيف تُحمى الطفلة، وتُحدد المسؤوليات على أساس الأدلة، دون أن تتحول سلطة التدريب أو المسؤولية الإدارية أو الولاية الأسرية إلى مبرر للإضرار بحقوقها؟
