و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

يشكل  أعلان الرئيس عبد الفتاح  السيسي  أن مصر مستعدة لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن السعودية إذا طلبت المملكة ذلك تطورا  لافتا  في  الموقف المصري  من الازمة الحالية  بين المملكة  العربية  السعودية  وجماغة انصار الحوثي ، موضحًا أن القاهرة لا تسعى إلى مهاجمة أحد، وإنما تتحدث عن الدفاع عن السعودية. كما طلب عقد جلسة طارئة للبرلمان للحصول على التفويض اللازم إذا طُلب تدخل عسكري. ، ومن جانب اخر   أعلن مجلس الدفاع الوطني المصري  تقديم أشكال الدعم اللازمة للمملكة السعودية للدفاع عن أمنها واستقرارها. 
وبناء علي طلب الرئيس  السيسي من البرلمان  بالتفويض اللازم للتدخل العسكري ، يستعد مجلس النواب إلي عقد جلسة   لبحث القرار، الذي وافق عليه اغلبية الأعضاء  خلال الايام  المقبلة 
 التدخل  العسكري  المصري  للدفاع  عن المملكة  العربية  السعودية يطرح  سؤالا مهما علي الساحة الاقليمية  هل نحن بصدد  بداية دور إقليمي جديد لمصر ، أم اننا امام  تفعيل لمفهوم تاريخي قديم  للأمن القومي يرى ان  أمنَ الخليج، وخاصة المملكة السعودية ماهو ألاامتداداً للأمن القومي المصري؟
الواقع  يؤكد إن  الجديد في دعوة  الرئيس السيسي ليس المبدأ، بل تغير طبيعة التهديد

التي تجاوزت وصف التصريحات الدبلوماسية المتكررة  التي تؤكد علي ان امن الخليج من الامن القومي المصري وتسجيل المواقف، إلى كونها استعدادا حاسما للتحرك الفعلي مما يفتح بابا امام  تساؤلات  متداخلة عدة  مترابطة بالغة الأهمية، منها  تلك التي تتعلق بدوافع الطرفين المصري والسعودي والمصالح المرجوة من هذا التشارك العسكري .فالتوترات  والاضطرابات  التي تشهدها  منطقة  الشرق  الاوسط و المنعطفات الكبرى التي شهدتها العقودُ الأخيرة المضطربة ادت إلي  تلاقي  الإرادةُ المصرية مع الإرادة السعودية. هذا التلاقي  سبقه تعاون  كبير  في الماضي  حين قام  رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم بالتهديد بضمّ الكويت بعد استقلالها  في العام 1961،  وقتها أرسل الرئيس الراحل  جمال عبد الناصر قواتٍ مصرية ضمن قوة عربية تحت مظلة جامعة الدول العربية، للمشاركة في حماية استقلال الكويت وردع التهديد العراقي،حيث كانَ الهدف منع الضم بالقوة دون العودة إلى الحماية البريطانية. وعندما هاجمت قوات صدام حسين الكويت في العام 1990، شارك الرئيس الراحل حسني مبارك بقوات مصرية كبيرة في التحالف بقيادة الولايات المتحدة الامريكية حيث قامت القوات المصرية  بمشاركة قوات التحالف بتحرَّير الكويت من الاحتلال العراقي

فالعلاقات بين الدول تبني  على تحقيق المصلحة والمنفعة ، وتزداد ألاهمية  عند تعلقه بهذا التحول الكبير في السياسة المصرية في ظل ما تتسم به من التحفظ.

لذلك إذا نظرنا  إلى العلاقات  المصرية  السعودية نرى أن  الأمن المصري والأمن السعودي  واحد لكل منهما فالأمن  في البحر الأحمر وحركة التجارة وعبور السفن  والبضائع  قاسم مشترك بين القاهرة والرياض  اضافة إلي تراجع  إيرادات  قناة السويس  الي  ما يقرب من 6.7مليار دولار وفقا ل تصريحات  سابقة ل  رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، وفي هذا يعد  مساس بالاقتصاد المصري وبالأمن المصري وهذا أمر  مؤلم. لان  هذا المبلغ  ثمن تدفعه مصر بسبب اضطراب البيئة الإقليمية. وحين تقوم جماعة انصار الحوثي بالتعدي علي  هذا المورد الحيوي للاقتصاد المصري  يصبح  أمن باب المندب جزءاً مباشراً من الأمن الاقتصادي المصري. 
تدرك  القاهرة بأنَّ زعزعة استقرار السعودية تلحق ضرراً كارثياً بمصرَ والخليج والعالمين العربي والإسلامي، فضلاً عن الاقتصاد٠ 
عقب اعلان  الرئيس السيسي   عزم  مصر  الوقوف عسكريا   بجانب المملكة العربية السعودية تباينت ردود فعل في الشارع  المصري وانقسم رواد منصات التواصل الأجتماعي  مابين مؤيد للتحرك العسكري المصري بجانب المملكة السعودية وبين متحفظ وبين معارض  للتدخل العسكري للدفاغ عن المملكة السعودية

لا اتفق مع من يري ان التدخل العسكري المصري للدفاع عن   السعودية  خطير وان مآلاته مجهولة، وقد تكون كلفته شديدة على مصر وعلي مستقبل  النظام في مصر ، في ظل احتمالات  تصاعد الإشتعال في  المنطقة ، بما لا يستبعد معه تحول الأزمة إلى حرب إقليمية بمشاركة  أطراف متعددة. كما ان المخاوف من تكرار  سيناريو تدخل الجيش المصري  في اليمن في عهد الحقبة الناصرية وما ترتب عليه من  خسائر فادحة تكبدها الجيش المصري انذاك وكان احد اسباب  نكسة 1967 
ادرك كل هذة المخاوف لكن يجب ان نضع في الأعتبار ان النظام في مصر لم يقدم على هذه المخاطرة الكبرى من أجل مجرد الحصول على دعم واستثمارات من المملكة  السعودية كما ادرك مخاوف  من يدعون بأن  التحرك العسكري المصري  لمساندة المملكة العربية في حربها توريط للجيش المصري فهذا لم ولن يكن توربط بل هذا التحرك دفاع عن مصالح مصر وعن امنها القومي  
 وبعيدا عن التفسيرات والعواطف  والانقسامات ، تبرز حقيقة حتمية لا مناص من الإقرار بها، وهي أن الأمن القومي المصري جزء لا يتجزأ من أمن السعودية والخليج بشكل عام، وان التهديدات التي تتعرض لها المملكة يتعدى أثرها إلى أمن مصر، وان التصعيد الممتد ضد السعودية من قبل  جماعة انصار الحوثي  يمكن أن يؤدي إلى خلق أوضاع جديدة خطيرة في المنطقة تؤدي إلي  ضرب العمق العربي في الصميم. ويجب ان يعلم هؤلاء  بأن هناك ارتباطا وثيقا بين إيرادات قناة السويس عصب الاقتصاد المصري بالأمن الملاحي في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ومضيق هرمز، مما يستوجب تحرك مصري لوقف نزيف الخسائر و لمنع استمرار تردي الاقتصاد. المصري

لذلك في تقديري ان تعزيز الشراكة المصرية السعودية، والتعاون مع بقية الدول التي تقع علي البحر الأحمر ، اصبح ضرورة تتصل بمستقبل السيادة والأمن الإقليمي. فالقاهرة والرياض يجمعهما  مصالح مشتركة في استقرار البحر الأحمر، بينما تتغير أولويات القوى الكبرى بتغير الإدارات والحروب  والتحالفات.
لذلك  أري من الخطأ أن تظل  المساحة الجغرافية للعرب ساحة لاختبار استراتيجيات لدول أخري بينما في أيديهم كل المقومات التي تؤهلهم للمشاركة في صياغة قواعد الامن في المنطقة

علي كل حال يبقى الجاهزية للتدخل العسكري المصري  لحماية المملكة سببا  وصياغة نظام أمني جديد  هدفا  ،لذلك فالتدخل  العسكري المصري  في حال  موافقة البرلمان  ماهو  إلا  رسالة ردع للخصوم:
فمصرُ الدولةٌ العربيةٌ الكبيرة لا تستطيعُ ابدا العزلة  عن دورها في الدفاعِ عن الأمن القومي وعن مصالِحها المباشرة 
لكن يبقي الاستعداد السياسي والمؤسسي للتحرك العسكري إذا اقتضت الضرورة. 
علينا  ان ندرك  بأن الردع لايحقق  الغرض الكامل   منه  حين يتم استخدامة كقوة، بل حين يقتنع الطرف الآخر بأن استخدامه اصبح امرا مشروعا ومكلفا كما علينا ان نضع في الاعتبار بان الحروب دائما لا تتحرك وفقا لخطط لكنها قد تتوسع وتستمر وبدلا من الأكتفاء بالدفاع والتصدي  للصواريخ البالستية والقاذفات والمسيرات قد تضطر  التطورات وقتها إلي الإنخراط في الحرب عندما يؤدي حادث غير محسوب، كاستهداف الموانئ المصرية كميناء دمياط   بطائرات  مسيّرة او  استهداف المنشأت السياحية علي البحر الاحمر  كالغردقة ومرسي علم   وغيرها من المنشأت والمواني  وهنا  اصبحت المواجهة حتمية ،لذلك اري بأن  القيادة  في مصر تدرك جيدا  حدوث هذا  التصعيد الغير محسوب وغير المقصود،

نحن امام اختبار حقيقي لقوة وقدرة مصر على تحويل ثقلها العسكري إلى تأثير سياسي دائم و مستدام، خاصة في ظل اوضاعها و أعبائها الاقتصادية الصعبة وتحديات وضغوط  على حدودها الغربية في ليبيا وحدودها الجنوبية في السودان  وحدودها الشرقية في غزة والبحر الأحمر.،لذلك فأذا كانت القوة العسكرية توفر إمكانية الحضور،لكنها لاتكفي وحدها؛ فتلك تحتاج إلى اقتصاد قادر ودبلوماسية تضع قواعد للتوازن الإقليمي.لذا نجد ان الشراكة مع المملكة  السعودية قد تخفف من هذا العبء.

علينا الا ننسي ان القاهرة تعاملت مع بداية التوترات

ومنذ بدء المواجهات العسكرية في المنطقة في 28 فبراير الماضي بدبلوماسية وصبر وحكمة و بذلت الدبلوماسية المصرية وقتها  جهود مضنية وواضحة وملحوظة للتهدئة، وتغليب الخيارات السلمية، من خلال   الوساطة والاتصالات بمختلف الاطراف  في محاولات لتخفيف حدة التوتر وراهنت القاهرة علي المساعي السلمية والدبلوماسيةِ وعاملِ الوقت آملةً في أن تتوقفَ الصراعات والتوترات في المنطقة  والتصدي لمحاولات تطويق مراكز القرار العربي، وإحداثِ تغييراتٍ في موازين القوى داخلَ عددٍ من الخرائط وعلى مستوى المنطقةِ برمَّتها
واتمني ان تستمر  القاهرة  في هذه المساعي الدبلوماسية السلمية لما تتمتع به من علاقات واتصالات بجميع الاطراف لان تاريخ المواجهات والحروب  علمنا  . بأن الجميع سيجلس في نهاية الأمر على موائد المفاوضات والتَّوصُّل إلى طرق للتعايش السلمي.،فهل تستطيع القاهرة ؟

تم نسخ الرابط