في مكان ما.. بعيدا عن أعين الناس، خلف جبل لا يعرف أحد الطريق إليه، أو في مدينة ابتلعها الزمن، أو في قبر لم يُفتح، أو في عالم لا نراه ربما في السماء!؛ هناك رجل ينتظر.. لا أحد يعرف متى سيظهر، ولا أحد يعرف على وجه اليقين أين هو، لكن شيئا واحدا يعرفه الذين يؤمنون بوجوده، ويوقنون بأنه سيعود.. وحين يعود؛ لن يكون العالم كما كان، سيأتي عندما يشتد الظلام، عندما تنهار القواعد، عندما يعجز الملوك، وينتصر الظلم، عندما يصل الناس إلى اللحظة التي يعتقدون فيها ألا أحد قادر على إنقاذهم؛ عندها فقط يظهر المخلص.
حين يظهر المخلص
هذه ليست حكاية من عصر واحد، إنها حكاية عصور مختلفة، حكاية معتقدات مختلفة، بدايتها كانت منذ آلاف السنين.. تغيرت الأسماء، تغيرت الحضارات، تغيرت الأديان، وتغيرت اللغات، لكن الفكرة بقيت حية؛ "البطل لا يموت.. إنه يختفي فقط، وسيعود يوما ما".. فمن أوزيريس إلى آرثر.. من بربروسا النائم إلى المهدي وعودة المسيح.. فكلما اشتد الظلام، يظل الإنسان يبحث عن رجل غائب يؤمن الجميع أنه سيعود يوما ما!.
والبداية كانت بالمشهد الأول، حين هزم الإنسان الموت، وقبل آلاف السنين، في أرض النيل، بدأت واحدة من أقدم القصص التي عرفها الإنسان عن الموت والعودة، "أوزيريس"، ملك أسطوري ارتبط في الميثولوجيا المصرية بالنظام والخصب والعالم الآخر، تقول الأسطورة إن أخاه ست قتله، ومزق جسده وشتت أجزاءه، لكن النهاية لم تكن النهاية، إيزيس تبحث عنه، تجمع أجزاءه، ويعود أوزيريس، في إطار الأسطورة، ليصبح سيدا للعالم الآخر، بينما يستمر الصراع من خلال ابنه حورس.. لكننا نقف هنا، لأننا أمام فارق لا يمكن تجاهله؛ فأوزيريس شخصية أسطورية دينية من مصر القديمة، وليست واقعة تاريخية مثبتة عن ملك مات ثم عاد إلى الحياة.. لكن قيمة القصة ليست في إثبات وقوعها، بل في إحدى أقدم اللحظات التي بدأ فيها الإنسان يرفض فكرة النهاية المطلقة.
ومن هنا نشأت فكرة أن الموت ليس النهاية.. إنه انتظار، ثم تمر القرون، ونعبر البحر المتوسط.. حضارات تسقط.. وأخرى ولدت، لكن الحكاية عادت من جديد؛ ففي الموروث اليوناني، يظهر أدونيس، شخصية ارتبطت بالجمال والموت ودورة الطبيعة، وتحولت قصته إلى رمز لدورة تتكرر باستمرار؛ "الموت، ثم الغياب، ثم العودة، وكأن الطبيعة نفسها كانت تهمس للإنسان القديم "انظر إلى الحقول، يموت الزرع في الشتاء، ثم يعود في الربيع، تختفي الشمس، ثم تظهر، ينتهي الليل، ثم يولد النهار، فلماذا يجب أن يكون البطل مختلفا؟!، لماذا لا يموت هو أيضا، ومن ثم يعود؟!!".. هكذا بدأت فكرة ستصبح واحدة من أكثر الأفكار رسوخا في المخيال البشري، أن "الغائب ليس بالضرورة ميتا".
مرت قرون أخرى وانتقلت الأسطورة من الآلهة إلى البشر هذه المرة، في أوروبا، والعصور الوسطى، قلاع، وسيوف، خيول، وطبول حرب وضباب، ليظهر الملك الذي أصبح اسمه أكبر من التاريخ نفسه؛ "آرثر".. إشارات ومرويات قديمة حول شخصية محاربة باسم آرثر أو شخصيات قريبة منه، لكن آرثر الذي نعرفه اليوم، بسيف إكسكاليبور وفرسان المائدة المستديرة وكاميلوت، تشكل بصورة كبيرة عبر الأدب والموروثات التي تطورت في العصور الوسطى، الملك الذي اختفى، لتبدأ المنطقة الرمادية، فالتاريخ لا يمنحنا دليلا قاطعا على آرثر الأسطوري بكل تفاصيله، لكن الأسطورة فعلت شيئا أكثر قوة، قالت إن الملك لم يختف تماما، إنه ذهب إلى أفالون، وأفالون هي إحدى أشهر الجزر الأسطورية في التاريخ، وتتداخل فيها المعتقدات السلتية "الويلزية والأيرلندية القديمة" مع أساطير الملك آرثر في العصور الوسطى، لتتحول لاحقا إلى رمز روحي في المعتقدات الوثنية الحديثة، وفي بعض الروايات، بقيت فكرة عودته حاضرة.. وكأن البلاد لا تزال تنتظر ملكها، وهنا تغيرت وظيفة الأسطورة، لم يعد البطل مجرد شخصية من الماضي، بل أصبح شخصا من المستقبل، فكلما احتاجت البلاد إلى الأمل، يمكن أن يعود آرثر.
والحكاية لم تتوقف عند آرثر، لتنتقل إلى الإمبراطور النائم.. بربروسا، لكن هذه المرة، لدينا رجل حقيقي، ليس أسطورة في الأصل، فريدريك الأول بربروسا، إمبراطور روماني مقدس حكم في القرن الثاني عشر، شخصية تاريخية موثقة، قائد حقيقي، إمبراطور حقيقي، وفي عام 1190 مات أثناء الحملة الصليبية الثالثة.. هنا ينتهي التاريخ، لكن الأسطورة لم تسمح له بالرحيل؛ فبعد موته، ظهرت في الموروث الألماني حكايات تقول إنه لم يمت بصورة نهائية، وإنما يعيش نائما في جبل، ينتظر اللحظة التي تحتاج فيها البلاد إلى عودته.. التاريخ يقول إنه مات، لكن الأسطورة تقول "ينتظر".. وهذه الجملة وحدها تكشف سر المخلص الغائب، لأن الناس لا يريدون دائما أن يتقبلوا موت الرجل الذي يمثل لهم عصرا أفضل، فيحولون موته إلى نوم، ويحولون غيابه إلى انتظار، ويحولون الانتظار إلى وعد.
إذن فلماذا لا يموت المخلص؟!، لأن موته يعني نهاية الأمل، أما اختفاؤه، فيعني أن هناك فرصة، وهنا تصبح الأسطورة أكثر قوة من الحقيقة، فالموت يغلق الباب، لكن الغياب يتركه مفتوحا، يمكن للناس أن يقولوا: ربما يعود، ربما لم يمت، ربما ينتظر، ربما لم يحن الوقت بعد، وهكذا يستطيع البطل أن يعيش قرونا كاملة دون أن يكبر يوما واحدا.
ومن الأسطورة التي كانت سائدة قديما، ثم دخلت التاريخ، لتدخل الحكاية إلى عالم الدين، وهنا يجب أن نتوقف.. لأننا ننتقل من الأسطورة الشعبية إلى المعتقد الديني، وهذا فارق أساسي.. ففي المسيحية، الإيمان بعودة المسيح، أو المجيء الثاني، جزء من العقيدة المسيحية، ويرتبط بنهاية الأزمنة والدينونة.. هنا لا نتحدث عن حكاية ملك أسطوري نائم في جبل، بل عن معتقد ديني له أساسه في الكتاب المقدس والتقاليد المسيحية، وفي اليهودية، توجد كذلك فكرة المسيح المنتظر، وإن كانت التصورات والتفسيرات تختلف بين التيارات والتقاليد اليهودية.. ثم نصل إلى الإسلام، إلى واحدة من أكثر الشخصيات حضورا في تصورات آخر الزمان "المهدي"، لكن هنا أيضا يجب أن يكون الخط واضحا، ففكرة المهدي ليست أسطورة شعبية بالمعنى البسيط للكلمة، هي موضوع ديني وردت بشأنه روايات وأحاديث، واختلفت المدارس الإسلامية في تفاصيله ومكانته.. ففي التراث السني، توجد أحاديث في شأن المهدي، مع اختلاف العلماء في تصحيح بعض الروايات وتفاصيلها.. أما في العقيدة الشيعية الاثني عشرية، فالمهدي هو الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن، الذي يعتقد بغيبته وظهوره.. إذن نحن أمام معتقدات دينية لها سياقاتها الخاصة، ولا يجوز اختزالها في قصص أوزيريس أو آرثر أو بربروسا.
ومع كل هذه الشخصيات والقصص المختلفة بين الأسطورة والتاريخ والمعتقد الديني، يظل هناك خيط مثير للاهتمام؛ فكرة الغياب والظهور، وفكرة الشخصية المرتبطة بالخلاص في زمن الفتن والاضطراب.. حين يصبح الانتظار أخطر من الغياب، هنا تبدأ القصة في اتخاذ منحى أكثر ظلمة، لأن انتظار المخلص قد يمنح الإنسان الأمل.. ليظل المخلص حاضرا في ذاكرة البشر، مرة في ثوب ديني، ومرة في أسطورة، ومرة في صورة قائد سياسي؛ لأن الإنسان، في لحظات الخوف والفوضى، لا يبحث فقط عمن ينقذه، بل يبحث عمن يمنحه يقينا بأن الفوضى لن تستمر إلى الأبد.. ويبقى اللغز الأخير.. هل يعود المخلص فعلا؟، خمسة آلاف عام تقريبا من الحكايات، أوزيريس، أدونيس، آرثر، بربروسا، ومن ثم المعتقدات الدينية حول عودة المسيح وظهور المهدي، حضارات مختلفة، أديان مختلفة، أزمنة مختلفة، لكن الإنسان نفسه، يخاف من الموت، يكره الفوضى، يرفض الظلم، ويبحث عن نهاية للظلام، ربما لهذا السبب لا تموت حكاية المخلص.




