لم يعد غريبًا اليوم أن نسمع شابًا مصريًا يتحدث بلغة أجنبية أكثر مما يتحدث بلغته الأم أو يفضل إقامة بعض مناسباته خارج وطنه أو يتبنى أنماط حياة أقرب إلى ثقافات أخرى، وهي ظاهرة تفتح بابًا مهمًا لتأمل ما يتعلق باللغة والهوية والانتماء في مجتمعنا المصري اليوم.
ففي السنوات الأخيرة برزت في المجتمع المصري ملامح تغير لم تعد تقف عند حدود التعليم أو اللغة فقط، بل امتدت إلى طريقة التفكير وأسلوب الحياة ونظرة بعض الشباب إلى أنفسهم وإلى مجتمعهم، فلم يعد الأمر يقتصر على الدراسة في المدارس الدولية أو الجامعات الأجنبية أو السفر إلى الخارج بل أصبح بعضهم يعيش في الوطن بينما يشعر بالقرب من عالم آخر أكثر من قربه من بيئته الأصلية.
قديمًا كان هذا التحول مرتبطًا بالسفر والاغتراب؛ فالشخص لا يكتسب لغة جديدة ولا يتأثر بثقافة مختلفة إلا إذا غادر وطنه وعاش سنوات بين أهل بلد آخر، فكان الاحتكاك المباشر هو الطريق الأساسي لانتقال العادات والأفكار، وفي ذلك السياق انتقد عبد الله النديم في مقالاته بجريدتي الأستاذ والتنكيت والتبكيت فئة المتفرنجين كما أطلق عليهم الذين عادوا يقلدون الغرب في اللسان والعادات، ورأى أن النهضة الحقيقية لا تكون بالتخلي عن الهوية بل بالأخذ من العلم مع الحفاظ على الشخصية الوطنية، وهذا يوضح أن سؤال الهوية ليس جديدًا بل يمتد جذره إلى أزمنة سابقة.
أما اليوم فقد اختلف الوضع تمامًا، لأن العالم أصبح حاضرًا داخل البيوت من خلال وسائل الإعلام والمنصات الرقمية والتعليم الدولي، وأصبح من الممكن أن ينشأ الشاب في مصر لكنه يتلقى كثيرًا من تصوراته عن النجاح والحياة والعلاقات الاجتماعية من بيئات أخرى من دون أن يغادر وطنه أصلًا، ومن هنا لم يعد التأثر مقتصرًا على اللغة فقط بل امتد إلى العادات والذوق العام وصورة الإنسان عن نفسه ومجتمعه.
ولهذا ظهرت عبارات ساخرة تحمل في طياتها معنى حقيقيًا مثل السؤال الذي يقال على سبيل المزاح: "أنت من مصر أم من إيجيبت؟" وهي عبارة تشير إلى فجوة ثقافية بين من يعيشون في البلد نفسه لكنهم ينتمون إلى عالمين مختلفين في اللغة والسلوك ونمط الحياة.
ويظهر الأمر كذلك في طريقة الحديث؛ فبعض الناس يبالغون عمدًا في استخدام لغة أجنبية أو خلطها بلغتهم الأم في مواقف لا تستدعي ذلك وكأن اللغة أصبحت وسيلة لإظهار مكانة اجتماعية أو للتمايز عن الآخرين، وفي المقابل هناك من لا يفعل ذلك عن عمد لكنه يتأثر تدريجيًا بما يحيط به من تعليم وإعلام وأنماط حياة مختلفة، فتتغير عاداته وتقاليده وطريقة تفكيره.
التأثير الناعم
من دون أن يدرك، وهنا تكمن خطورة التأثير الناعم لأنه يحدث ببطء حتى يصبح أمرًا طبيعيًا في نظر صاحبه، فاللغة ليست مجرد كلمات، بل هي وطن الذاكرة ومرآه للهوية وركيزة للانتماء، فإذا ضعفت صلة الإنسان بلغته الأولى ولم يكن يحمل وعيًا كافيًا بقيمة هويته وتاريخه، ضعفت معه صلته بجذوره.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل من يتبنون هذه الأنماط يعرفون حقًا تاريخهم؟ هل يدركون معنى أن تكون مصريًا، ابن حضارة استمرت لآلاف السنين كمنارة حضارية تاركه آثارًا لاتزال تدهش العالم حتى اليوم؟ وهل يدركون معنى أن تكون عربيًا، تنتمي إلى لغة حملت تراثًا أدبيًا وفكريًا من الأغنى في تاريخ الإنسانية؟ إن من يعرف قيمة جذوره لا يراها عبئًا بل يراها مصدر قوة وثقة وتميز.
إن الانفتاح على العالم أمر محمود، لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب الجذور، فنحن أبناء مصر، بلد الحضارة الممتدة آلاف السنين، ونفخر بأننا أحفاد الفراعنة وحملة تراث عربي عريق. والانفتاح الحقيقي لا يعني أن نفقد أنفسنا بل أن نعرف من نحن ونعتز بجذورنا، ثم ننطلق إلى العالم بثقة وقدرة على المنافسة.








