و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

لا يُعد قرار النيابة العامة بالتحفظ على الأموال والمنع من السفر مجرد إجراء احترازي عادي، وإنما يكشف عن أن جهات التحقيق أصبحت تمتلك من الدلائل والمؤشرات ما يكفي للاعتقاد بوجود مخاطر حقيقية تهدد سلامة التحقيق، سواء من خلال تهريب الأموال أو إخفاء متحصلات الجرائم أو مغادرة البلاد قبل استكمال الإجراءات القضائية.

واللافت في هذا القرار أن التحفظ لم يقتصر على الأموال النقدية، بل امتد إلى الأسهم والودائع والصكوك والأصول العقارية والمحافظ الإلكترونية، وهو ما يعكس طبيعة الجرائم محل التحقيق، والتي تتجاوز الاتهامات التقليدية لتصل إلى مرحلة تتبع حركة الأموال ومصادرها ومسارات انتقالها، فحين تنتقل التحقيقات من البحث في الفعل الإجرامي ذاته إلى تتبع الثروة والأصول، فإننا نكون أمام مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة في مسار الدعوى الجنائية.

كما أن إسناد شبهة غسل الأموال إلى بعض المتهمين يحمل دلالة قانونية مهمة، لأن جريمة غسل الأموال بطبيعتها لا تقوم منفصلة، بل تفترض وجود جريمة أصلية سبق أن تولدت عنها أموال يراد إخفاء مصدرها أو إضفاء المشروعية عليها، ومن ثم فإن التحقيق في غسل الأموال يعد امتدادًا للتحقيق في الجرائم الأصلية وليس بديلاً عنها.

ومن الناحية القانونية، فإن قرار التحفظ لا يمثل إدانة ولا يجوز اعتباره حكمًا مسبقًا على المتهمين، إذ ما زالت قرينة البراءة قائمة ومصونة دستوريًا حتى صدور حكم قضائي بات، إلا أن صدور مثل هذا القرار يكشف في الوقت ذاته عن جدية الاتهامات وخطورة الوقائع محل البحث، وهو ما يبرر لجهة التحقيق اللجوء إلى التدابير الاستثنائية المقررة قانونًا لحماية الأدلة وضمان تنفيذ ما قد يصدر مستقبلًا من أحكام بالمصادرة أو رد الأموال.

البنية المالية

وفي تقديري، فإن الرسالة الأهم التي يحملها هذا القرار هي أن الدولة لم تعد تكتفي بملاحقة الجريمة في صورتها التقليدية، بل أصبحت تستهدف البنية المالية التي تقوم عليها، باعتبار أن تجفيف منابع التمويل ومصادرة العائدات غير المشروعة يمثلان أحد أكثر الأساليب فاعلية في مواجهة الجريمة المنظمة والتشكيلات الإجرامية، أيًا كانت الأسماء أو مراكز النفوذ المرتبطة بها.

الخلاصة القانونية: التحفظ على الأموال والمنع من السفر ليسا عقوبة، وإنما إجراءان احترازيان لحماية التحقيق، لكن اتساع نطاق الأموال المتحفظ عليها، وظهور شبهة غسل الأموال، يكشفان أن القضية تجاوزت مرحلة الاتهامات الجنائية التقليدية إلى مرحلة فحص الثروة ومصادرها ومشروعية تكوينها، وهي من أخطر المراحل التي قد تمر بها أي دعوى جنائية ذات طابع منظم أو مالي.

تم نسخ الرابط