في أي دولة، لا يُعد التعليم مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة أو بوابة للحصول على وظيفة، بل هو أحد أهم المصانع التي تُشكِّل وعي المجتمع، وتصنع صورته عن نفسه، وتحدد إلى حد بعيد شكل العلاقة بين أفراده، ففي المدرسة لا يتعلم الطفل الرياضيات واللغة فقط، بل يتعلم أيضًا كيف يرى الآخر، وكيف يفهم وطنه، وكيف يكوّن إحساسه بالانتماء والعدالة والفرص.
ومن هنا، يصبح السؤال عن التعليم في مصر أكبر من سؤال المناهج أو المصروفات الدراسية أو نسب النجاح، إنه سؤال يتعلق بشكل المجتمع نفسه: هل ما زلنا نمتلك تجربة تعليمية قادرة على صناعة وجدان وطني مشترك، أم أن التعدد الكبير في أنظمة التعليم بدأ يصنع عوالم متوازية داخل الوطن الواحد؟
المشهد التعليمي المصري اليوم شديد التعقيد والتنوع، فهناك التعليم الحكومي العربي، والحكومي لغات، والمدارس الخاصة بمناهج متنوعة، والتعليم الدولي بفروعه البريطانية والأمريكية والألمانية والفرنسية، إضافة إلى المدارس الأزهرية، ومدارس الراهبات، وغيرها من التجارب التعليمية التي تختلف في الفلسفة، واللغة، والمناهج، وطريقة التفكير، بل وأحيانًا في شكل الحياة اليومية نفسها داخل المدرسة.
في ظاهره، يبدو هذا التنوع صحيًا ومنطقيًا؛ فهو يمنح الأسر حرية الاختيار، ويلبي احتياجات شرائح مختلفة من المواطنين والمقيمين، كما يواكب طبيعة عالم أصبح أكثر انفتاحًا وتداخلًا، بل إن البعض يرى أن وجود مدارس دولية ومتعددة الثقافات يمنح الطلاب قدرة أكبر على المنافسة عالميًا، ويؤهلهم للتعامل مع أسواق عمل عابرة للحدود.
اقتصاديًا أيضًا، لا يمكن إنكار أن هذا التنوع خلق سوقًا تعليمية واسعة، وجذب استثمارات، وفتح المجال أمام تخصصات وأساليب تعليم حديثة تعتمد على البحث، والتفكير النقدي، والأنشطة، والعمل الجماعي، والابتكار، لكن المشكلة لا تبدأ من وجود التنوع نفسه، المشكلة تبدأ حين يتحول التنوع إلى تفاوت شديد الاتساع، لا يجعل الطلاب يتعلمون بطرق مختلفة فقط، بل يجعلهم يكبرون داخل عوالم اجتماعية وثقافية تكاد تكون منفصلة.
فليس من المبالغة القول إن طفلًا يدرس في مدرسة حكومية مزدحمة تفتقر أحيانًا إلى التكنولوجيا والأنشطة، وآخر يدرس في مؤسسة تعليمية فائقة الإمكانات، تعتمد على اللغات الأجنبية، والأنشطة الدولية، والرحلات، والمشروعات البحثية، لا يعيشان فقط تجربتين تعليميتين مختلفتين، بل يعيشان خبرتين مختلفتين للحياة ذاتها، هنا لا يصبح السؤال متعلقًا فقط بجودة التعليم، بل بما هو أعمق: ما الذي يحدث للنسيج الوطني عندما يكبر أبناء الوطن داخل بيئات تعليمية شديدة التباين في اللغة، والثقافة، وأنماط التفكير، وتصوراتهم عن النجاح والمجتمع؟
فالمدرسة، عبر التاريخ، كانت دائمًا واحدة من أهم المساحات التي تصنع القواسم المشتركة بين المواطنين، هناك تتكون اللغة الجمعية، والذاكرة المشتركة، وفهم التاريخ، والإحساس بالمصير الواحد، وحين تضعف هذه المساحة المشتركة، يصبح المجتمع أكثر عرضة لظهور مسافات نفسية وثقافية بين أفراده، حتى وإن عاشوا داخل المدن نفسها.
ربما لهذا السبب يتردد أحيانًا، في الأحاديث اليومية وعلى مواقع التواصل، تعبير شعبي بسيط لكنه كاشف: (من مصر ولا من ايجبت) وليس المقصود هنا انقسامًا جغرافيًا أو سياسيًا، وإنما شعور متنامٍ بأن أبناء المجتمع الواحد باتوا ينتمون إلى عوالم مختلفة؛ يتحدثون بلغات مختلفة أحيانًا، ويحملون تصورات متباينة عن الحياة والنجاح والانتماء، بل وربما لا يلتقون إلا في الحدود الدنيا.
قد يبدو هذا الوصف قاسيًا أو مبالغًا فيه للبعض، لكنه يعكس سؤالًا حقيقيًا يستحق النقاش: إلى أي مدى يمكن لتفاوت الخبرة التعليمية أن يؤثر في وحدة المجتمع على المدى الطويل؟، الأمر لا يتعلق بالهوية الوطنية فقط، بل يمتد أيضًا إلى سؤال العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
ففي المجتمعات الحديثة، يُفترض أن يكون التعليم أحد أهم أدوات الحراك الاجتماعي؛ أي أن يمنح الطفل فرصة لتغيير مستقبله بغض النظر عن خلفيته الاقتصادية. لكن حين تصبح جودة المدرسة، واللغة التي يتقنها الطالب، ومدى تعرضه للتكنولوجيا، وفرص الأنشطة والتدريب، عوامل تحدد مسبقًا حظوظه في المنافسة، يصبح السؤال مشروعًا: هل تبدأ المنافسة في سوق العمل فعلًا من نقطة عادلة؟
فخريج مدرسة تدرّب على مهارات العرض، والعمل الجماعي، والتواصل بالإنجليزية، واستخدام التكنولوجيا، يدخل غالبًا إلى سوق العمل بأدوات تختلف جذريًا عن خريج لم تتح له الظروف نفسها، حتى وإن امتلك القدر ذاته من الذكاء والاجتهاد، وهنا يتحول التعليم – من حيث لا نقصد – من أداة لتقليل الفجوات الاجتماعية إلى أداة قد تعيد إنتاجها، لكن هل الحل هو إلغاء التنوع وفرض نموذج تعليمي موحد؟، الإجابة بالتأكيد: لا.
النقاش المجتمعي
فأغلب دول العالم، بما فيها دول عربية واقتصادات قريبة من مصر، تعرف أشكالًا من التنوع التعليمي، ففي الإمارات مثلًا توجد نظم تعليم متعددة، لكنها تخضع لمعايير جودة واضحة، مع الحفاظ على مكونات أساسية تتعلق باللغة العربية والهوية الوطنية، وفي الأردن والمغرب توجد أيضًا مدارس خاصة ودولية.
لكن النقاش المجتمعي هناك ما زال مستمرًا حول كيفية تقليل الفجوات بينها وبين التعليم الحكومي، أما الهند، وهي دولة قريبة من مصر من حيث التنوع السكاني والاجتماعي، فقد واجهت تحديات مشابهة تتعلق بالفجوة بين المدارس الحكومية والخاصة، وما يترتب عليها من تفاوت في الفرص، وربما تكمن الحكمة هنا في التفرقة بين التنوع والتفاوت.
فالتنوع قد يكون مصدر قوة وثراء ثقافي، أما التفاوت المبالغ فيه فقد يتحول إلى خطر صامت على العدالة الاجتماعية ووحدة المجتمع، المطلوب إذن ليس أن تتشابه المدارس جميعًا، بل أن تظل هناك أرضية مشتركة لا يسقط منها أحد؛ حد أدنى عادل للجودة، يضمن لكل طفل تعليمًا جيدًا، وتكنولوجيا، وأنشطة، ومهارات أساسية للمستقبل، مهما كان نوع المدرسة التي ينتمي إليها.
كما يحتاج الأمر إلى ترسيخ ما يمكن تسميته بـ «النواة الوطنية المشتركة»؛ مساحة تربوية وثقافية تجمع كل الطلاب، مهما اختلفت مدارسهم، حول اللغة، والتاريخ، والانتماء، وقيم المواطنة، والعمل المشترك، لأن السؤال الحقيقي ليس: كم نوعًا من المدارس نملك؟
بل: كيف نحافظ على وطن واحد… بينما يتعلم أبناؤه في مدارس متعددة؟



