عبر تعديل قانون العقوبات
طارق فتحي سرور يطالب بتغيير قيمة الغرامات المطبقة على المخالفات والجنح
دعا الدكتور طارق فتحي سرور، أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائي في كلية الحقوق جامعة القاهرة، إلى تعديل قانون العقوبات، عبر إعادة هيكلة باب المخالفات بالكامل، مع تطبيق آلية تحديث دوري تلقائي لقيم الغرامات فيما يتعلق بمواد الجنح، وذلك لمعالجة خلل الاعتماد على قيم مالية جامدة وضئيلة تم وضعها من عقود مضت.
وقال "سرور" إن الغرامة الجنائية تمثل أهم الجزاءات المالية في السياسة الجنائية الحديثة، ويمكن توظيفها كأداة فعّالة للردع دون اللجوء إلى سلب الحرية في الجرائم البسيطة، ولكن يلاحظ أنه لا يزال جانب كبير من نصوص قانون العقوبات تعتمد على قيم مالية جامدة من عقود مضت، لم يتم مراجعتها بما يتناسب مع معدلات تغير القوة الشرائية للنقود، الأمر الذي أدى إلى إفراغها تدريجيا من مضمونها الردعي.
ولفت رئيس قسم القانون الجنائي إلى أن الغرامة في كثير من الحالات باتت لا تعكس جسامة الفعل الإجرامي، بما يُخل بمبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة، ويؤدي إلى تشوه في العدالة العقابية، وتتفاقم هذه الإشكالية بصورة أوضح، عندما تتقرر الغرامة على سبيل التخيير مع عقوبة سالبة للحرية، فيجد القاضي نفسه عند التطبيق العملي أمام جزاء مالي هزيل لا يحقق الردع المطلوب، فيميل إلى توقيع عقوبة الحبس باعتبارها الأداة الأقدر على تحقيق الغاية العقابية، وهكذا تحولت الغرامة من بديل تشريعي مقصود لتخفيف اللجوء إلى الحبس، إلى مجرد خيار نظري محدود الأثر في الواقع القضائي.
وضرب الدكتور طارق سرور أمثلة على ذلك، من بعض نصوص قانون العقوبات، ومنها: يعاقب وفقاً للمادة 269 من تسبب بغير عمد في حادث لإحدى وسائل النقل العامة بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر أو بغرامة لا تجاوز مائتي جنيه، أو الحبس مدة لا تزيد على سنتين، أو بغرامة لا تقل عن عشرين جنيهًا ولا تجاوز ثلاثمائة جنيه، وذلك في المادة 141، ومثال ايضا ما تقرره المادة 102 من معاقبة من جهر بالصياح أو الغناء لإثارة الفتن بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تجاوز مائتي جنيه.
وأوضح أن تلك النصوص تكشف بوضوح عن فجوة كبيرة بين قيمة الغرامة ومقتضيات الواقع الاقتصادي والردع الفعّال، ما يضعف دورها كبديل حقيقي للعقوبة السالبة للحرية، في الوقت الذي يتجه فيه الفكر الجنائي المعاصر إلى تقليل الاعتماد على الحبس قصير المدة، وتوسيع نطاق العقوبات البديلة والمالية ذات الأثر الفعلي.
غرامات المخالفات والجنح
وطالب رئيس قسم القانون الجنائي، بإعادة هيكلة باب المخالفات بالكامل، وبإنشاء آلية تحديث دوري تلقائي لقيم الغرامات في مواد الجنح، من خلال تقويم الغرامات بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي، مثل إدخال نظام الغرامة النسبية أو اليومية، التي تحقق التفريد العقابي بحيث تُحدد العقوبة المالية على أساس دخل المحكوم عليه أو قدرته المالية، بما يحقق العدالة الفردية ويمنع تفاوت الأثر العقابي بين الأغنياء والفقراء.
وذلك النظام مطبق في العديد من القوانين الأجنبية مثل القانون الألماني، والقانون الفرنسي بموجب المادة 131-5، التي تنص على أن يُحدد مبلغ كل يوم غرامة مع مراعاة موارد ومصروفات المتهم، ولا يجوز أن يتجاوز 1000 يورو. ويُحدد عدد أيام الغرامة بالنظر إلى ظروف الجريمة؛ ولا يجوز أن يتجاوز 360 يومًا، وتطبيقاتها عديدة في مجال الجرائم المرورية.
ودعا "سرور" أيضا إلى استبعاد الغرامات الهزلية من الجرائم الأشد خطورة، مثال ذلك نجد أن الغرامة المقررة بجانب العقوبة السالبة للحرية لجريمة من أذاع عمداً أخباراً أو بيانات أو إشاعات كاذبة، إذا كان من شأن ذلك تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة إذا وقعت الجريمة في زمن الحرب، هي غرامة لا تقل عن 100 جنيه ولا تجاوز 500 جنيه، وذلك طبقا للمادة 102 مكررا عقوبات. وطالب أيضا بتعزيز العقوبات البديلة بدلاً من الاعتماد على الحبس قصير المدة، معإعادة ضبط فلسفة التخيير بين الحبس والغرامة.








