تهديد مباشر للأمن القومي
أستاذ الاجتماع السياسي: اتفاقية تركيا وليبيا «مكايدة سياسية» ومصر لن تكتفي بالوعود
في ظل التطورات السياسية والدبلوماسية المتلاحقة التي تشهدها منطقة شرق المتوسط وشمال إفريقيا، عادت الاتفاقية البحرية المثيرة للجدل الموقعة عام 2019 بين تركيا وليبيا من خلال حكومة الوفاق الليبية السابقة لتتصدر المشهد من جديد، وهو ما طرح تساؤلات ملحة حول طبيعة التحركات الأخيرة والاتصالات الهاتفية بين القاهرة وطرابلس، خاصة الاتصال الذي جرى بين اللواء حسن رشاد، رئيس المخابرات العامة المصرية، وعبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية، وما تحمله هذه الاتفاقية في طياتها من تداعيات محتملة على الأمن القومي المصري، فضلاً عن تقاطعاتها المعقدة مع الاتفاقيات الأخرى المبرمة بين مصر، اليونان، وقبرص.
ولتقديم قراءة علمية وتحليلية دقيقة للاتفاقية وتداعياتها، التقت «الصفحة الأولى» مع الدكتور محمد سيد أحمد، أستاذ الاجتماع السياسي في جامعة عين شمس، والذي استهل تحليله بالتأكيد على أن الاتفاقية البحرية الموقعة عام 2019 تخضع لمعايير وقواعد القانون الدولي ومواثيق البحار، مشدداً على أن الخبراء المعنيين في القانون الدولي للبحار يجمعون على بطلانها.
وقال الدكتور محمد سيد أحمد: "وفقا للخبراء المتخصصين، هذه دولة في وضع لا يسمح لها أصلاً بعقد مثل هذا الاتفاق. توصيف هذه الاتفاقية في القانون الدولي هو أنها (كأن لم تكن)؛ فهي اتفاقية غير قانونية وغير معترف بها."
وأوضح أن ليبيا وتركيا لا توجد بينهما حدود بحرية مشتركة، معتبراً أن توقيع الاتفاقية جاء في إطار المكايدة السياسية، وأن تركيا استخدمت هذا الاتفاق كـ "كارت" للضغط السياسي على الدول التي تمتلك حقوقاً فعلية وحقيقية في ترسيم حدودها البحرية مثل مصر، قبرص، واليونان، وأن الجانب التركي هو المحرك الأساسي وراء هذا الملف برمته رغم أن حكومة طرابلس هي من قامت بعقد الاتفاق.
وعلق أستاذ الاجتماع السياسي على الاتصال الهاتفي بين رئيس المخابرات العامة المصرية ورئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية، عبد الحميد الدبيبة، والذي أعلن فيه الأخير مراعاة الشواغل المصرية، حيث أشار إلى أن مصر لا يمكنها الاكتفاء بالوعود والتصريحات الشفهية في ملفات تمس الأمن القومي بشكل مباشر.
أدوات مصر
وأكد أن مصر تتعامل بآليات دبلوماسية واستخباراتية رفيعة المستوى يقودها جهاز المخابرات العامة، وهو الجهاز الذي يمتلك تاريخاً طويلاً وخبرة عميقة في إدارة هذه الملفات الحساسة، وأشار إلى أن الوضع في ليبيا يشهد تناقضات وانقسامات عميقة بين حكومتي "طبرق / بنغازي" و"طرابلس"، وكلاهما يسعى لإقصاء الآخر، كما أن الحكومة التي وقعت الاتفاق أو تدير طرابلس تحسب على تيارات سياسية معينة، ما يجعل أي تطمينات موضع شك وحذر شديد.
وأشار الدكتور محمد سيد أحمد إلى أن فتح قنوات الاتصال والتواصل أمر إيجابي، لكن أن نطمئن بشكل كامل لما يقال؟ فلابد أن يظل هناك تشكك، لأننا نتحدث عن مصالح أمن قومي عليا لا تحتمل التجارب.
وفي تحليله لمدى موثوقية النظام التركي، استدعي الدكتور محمد سيد أحمد الشاهد التاريخي والأحداث الإقليمية القريبة، وعلى رأسها الأزمة السورية عام 2011، ولفت إلى أن العلاقة بين أنقرة ودمشق قبل عام 2011 كانت أكثر من ممتازة، وتجمع رجب طيب أردوغان وبشار الأسد روابط وثيقة، ولكن ما إن اندلعت الأزمات حتى انقلبت تركيا سريعا وأعلنت الحرب واستضافت المعارضة واحتلت أراضٍ سورية لصالح مصالحها أولاً ثم لمصالح أمريكا وإسرائيل.
ويؤكد أستاذ الاجتماع السيسي أن النظام التركي يتميز ببراجماتية مفرطة تجعله مستعداً لقلب التحالفات رأساً على عقب من النقيض إلى النقيض دون ثوابت مبدئية، ما يجعل الاعتماد على وعوده السياسية مغامرة غير محسوبة.
وعن التأثير الإقليمي للاتفاقية، أشار إلى وجود تعارض صارخ وتداخل سلبي بين الاتفاقية التركية الليبية والاتفاقيات الرسمية المبرمة بين مصر واليونان وقبرص بشأن ترسيم الحدود الاقتصادية في شرق المتوسط، كما تواجه دول مثل قبرص واليونان أضرارا بالغة جراء هذه التفاهمات، وقد أعلنتا صراحة رفضهما لها.
وأكد أن إقليم شرق المتوسط يمثل اليوم ركيزة أساسية من ركائز الدخل القومي المصري ومستقبل استثماراته في الطاقة، وبالتالي فإن أي محاولة لفرض معادلات بحرية غير قانونية تعد تهديداً مباشراً للأمن القومي لمصر.
وحول إمكانية نزع فتيل الأزمة عبر انضمام تركيا إلى "منتدى غاز شرق المتوسط" أو المؤسسات الإقليمية للطاقة، يرى الدكتور محمد سيد أحمد أن تركيا ليس لديها عداء مبدئي مع إسرائيل أو مصر على المستوى الاقتصادي البحت، بدليل عدم وجود مانع لديها من التعامل معهما إن وُفّرت المصالح، لكن الأزمة تكمن في خلافاتها الحادة مع اليونان وقبرص.
ولكي تنضم تركيا لمنظومة الغاز وتساهم في تسوية النزاع، يجب أن تحدث توافقات سياسية شاملة وتنسيق دقيق يضمن عدم الإضرار بمصالح الأطراف الأخرى، وهو أمر دونه عقبات سياسية كبرى نظراً لتعارض المصالح المستحكم في المنطقة.
وكان السفير نادر زكي، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، أعلن أن الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية أرسل رسالة واضحة وقوية لتركيا عن رفض مصر لتصديق البرلمان الليبي على مذكرة باطلة ومعدومة الأثر، وتم إيصال هذا الموقف بمنتهى الوضوح.
وأكد في اتصال هاتفي مع الإعلامي أحمد موسى في برنامج على مسئوليتي، أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، أعرب عن تفهمه للشواغل المصرية وعرض التشاور والحوار في هذا الشأن، لافتا إلى أنه لا يمكن أن يكون "عبد العاطي" في تركيا ويفوت الفرصة لإيصال رسالة واضحة وشديدة القوة للأتراك بشأن المذكرة الليبية التركية.
وشدد المتحدث باسم وزارة الخارجية، على أن مصر أكدت أن الاتفاقية التي اعترف بها البرلمان الليبي بعد 7 سنين من توقيعها باطلة من الناحية القانونية وعديمة الأثر وتم إعلان هذا الموقف بوضوح وبلغة لا تقبل التأويل.







