نزاع عقاري على عقد إيجار
العقد شريعة المتعاقدين.. حيثيات رفض الطعن بعدم دستورية بعض المواد بالقانون المدني
قضت المحكمة الدستورية العليا في الدعوي رقم 48 لسنة 46 ق دستورية، برفض الدعوى المقامة من أحد المستأجرين طعنا على دستورية بعض مواد القانون المدني، وفي مقدمتها الفقرة الأولى من المادة 592، فيما نص عليه من جواز الاتفاق على عدم رد المؤجر قيمة التحسينات "التشطيبات" التي أدخلها المستأجر على العقار المؤجر، أو ما زاد في قيمته، عند انتهاء عقد الإيجار.
وشيدت المحكمة الدستورية قضاءها على سند من أن المشرع قد راعى الطبيعة الرضائية لعقود الإيجار إعلاءً لمبدأ سلطان الإرادة، وأن النص المطعون فيه بعد أن قرر قاعدة عامة مؤداها التزام المؤجر برد قيمة ما أنفقه المستأجر على التحسينات في العين المؤجرة أو ما زاد في قيمة العقار، أجاز الاتفاق على ما يخالف ذلك، وهو ما يتماشى مع القاعدة المكملة التي توجبها حرية المتعاقدين في تحديد شروط التعاقد وأحكامه، وبما لا إخلال فيه بالحق في الملكية أو تعارض مع النظام الاقتصادي.
وصدر الحكم برئاسة المستشار بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة، وعضوية المستشارين الدكتور عادل عمر شريف، ومحمود محمد غنيم، والدكتور عبد العزيز محمد سالمان، وطارق عبد العليم أبو العطا، وصلاح محمد الرويني، ومحمد أيمن سعد الدين عباس، وبحضور المستشار الدكتور عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين.

وتعود وقائع الخصومة إلى عقد إيجار أبرم بتاريخ 21 سبتمبر 2016 بين المدعي أيمن عبد الرازق حامد خيره، عن نفسه وبصفته صاحب معرض خيره موتورز، والبنك الزراعي المصري، شمل العقد استئجار عين بمساحة 456 مترا مربعا لاستخدامها في نشاط تجارة السيارات لمدة خمس سنوات تبدأ من 1 أكتوبر 2016 وتنتهي في 30 سبتمبر 2021، غير أن النزاع وصل إلى ساحات المحاكم الابتدائية ثم الاستئنافية.
أقام المدعي الدعوى رقم 2733 لسنة 2021 مدني كلي أمام محكمة شرق طنطا الابتدائية، مطالبا بانتهاء عقد الإيجار بعد مضي سنة من أعمال الإنشاءات دون انتفاع، وبطلان البندين 14 و21 الخاضعين لالتزامه بالترميم والإنشاء على نفقته وآيلولتها للبنك دون مقابل، فضلا عن بطلان البند الخامس وتحمل المصروفات، وإلزام البنك بتعويض عن خسائر امتناعه عن تنفيذ تصريح المحكمة المؤرخ 29 أكتوبر 2023.
في المقابل، وجه البنك الزراعي المصري دعوى فرعية طالبا طرد المدعي وتسليم العين خالية، وإلزامه بدفع مقابل انتفاع.
وقضت محكمة أول درجة بتاريخ 18 فبراير 2024 برفض الدعوى الأصلية، وفي الدعوى الفرعية بطرد المدعي وإلزامه بأن يؤدي للبنك مبلغا قدره 381881.5 جنيه مصري (ثلاثمائة وثمانون ألفا وثمانمائة وثمانية وثمانون جنيها وخمسون قرشا) قيمة الريع المستحق عن الفترة من 1 أكتوبر 2021 حتى تاريخ الحكم.
وبعدها، تداولت الخصومة استئنافيا أمام محكمة استئناف طنطا تحت رقمي 965 لسنة 18 قضائية و1013 لسنة 18 قضائية، ثم دفع المدعي بجلسة 4 سبتمبر 2024 بعدم دستورية المواد 129/2، 147/1، 172، 180، و592/1 من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948. وبعد أن قدرت المحكمة جدية الدفع وصرّحت بإقامة الدعوى الدستورية، أودع المدعي صحيفة دعواه بتاريخ 28 أكتوبر 2024.
دعوى الدستورية
واختصمت الصحيفة كل من رئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس إدارة البنك الزراعي المصري، ورئيس قطاع الغربية بالبنك، ومدير فرع المحلة الكبرى، ومحافظ البنك المركزي المصري.
وقد استندت المحكمة الدستورية العليا في قضائها بعدم قبول الدعوى إلى عدة محاور قانونية موضوعية وإجرائية، وهي بشأن طلب استخراج شهادة من مجمع اللغة العربية حول معنى كلمة شريعة وفتوى عن سقوط الحقوق، فقد رأت المحكمة ألا وجه لإجابة هذا الطلب، لكونها السلطة المختصة وحدها بالرقابة القضائية على مدى موافقة النصوص التشريعية للدستور دون إخلال بسلطتها في تقرير ما تراه لازما للفصل في الدعوى.
وبشأن دفع اختصام كبار المسؤولين، رفضت المحكمة دفع عدم القبول لرفعها على غير ذي صفة بالنسبة لرئيس مجلس الوزراء، مؤكدة أن الخصومة في الدعاوى الدستورية عينية تستهدف النص التشريعي المطعون فيه وتكون فيها الأحكام حجة مطلقة على الكافة وفقا للمادة 49 من قانونها رقم 48 لسنة 1979.

وبالنسبة للمادة 147/1 من القانون المدني (العقد شريعة المتعاقدين)، قالت المحكمة الدستورية إن القواعد العامة الواردة بالمادة لا تتضمن تنظيما يحدد التزام المستأجر بقيمة التحسينات، وتظل الدعوى الموضوعية محكومة بالنص الخاص المتمثل في أحكام عقد الإيجار.
وبالنسبة للمادتين 172 و180 (تقادم دعاوى التعويض والإثراء بلا سبب)، أكدت المحكمة انتفاء مصلحة المدعي في الطعن عليهما، كون النزاع المالي بينه وبين البنك ينشأ عن التزامات عقدية محددة ترجع إلى قواعد المسؤولية العقدية وليست الناشئة عن العمل غير المشروع أو الإثراء بلا سبب.
وبالنسبة للمادة 592/1 من القانون المدني: تنص المادة في صدرها على التزام المؤجر برد قيمة التحسينات أو ما زاد في قيمة العقار، غير أن عجز الفقرة أجاز الاتفاق على غير ذلك. وبما أن الطرفين اتفقا على تحمل المدعي لكافة التحسينات وآيلولتها للبنك، فإن شرط المصلحة الشخصية المباشرة لم يتحقق لإبطال النص.
ووضعت "الدستورية" في حكمها خطوط فاصلة حول مفهوم حرية التعاقد والتوازن الاقتصادي؛ وأوضحت أن حرية التعاقد قاعدة أساسية يقتضيها الدستور صونا للحرية الشخصية والحق في الملكية وفقا للمادتين 27 و35 من الدستور.








