صراع النفوذ والغاز
زلزال شرق المتوسط.. خط أحمر مصري ردا على الاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا
في 27 نوفمبر 2019، شهدت العاصمة التركية أنقرة توقيع إحدى أكثر الاتفاقيات إثارة للجدل في تاريخ منطقة حوض شرق البحر الأبيض المتوسط الحديث، حيث وقع كل من رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فايز السراج، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على "مذكرة تفاهم لترسيم مناطق الصلاحيات البحرية في البحر المتوسط"، مرفقة بمذكرة ثانية للتعاون العسكري والأمني.
وفي 20 أكتوبر 2026، صوت مجلس النواب الليبي بالموافقة على اعتماد الاتفاقية البحرية لترسيم الحدود بين ليبيا وتركيا، كما صوت المجلس أيضا على سحب قرار مقاطعة تركيا الموقع عام 2020.
ومن أبرز آثار الاتفاقية، تعطيل مشروع خط أنابيب EastMed المقترح لربط غاز شرق المتوسط بإعادة تصديره إلى أوروبا عبر اليونان وإيطاليا، حيث تعتبر تركيا أن الخط يمر عبر منطقتها الاقتصادية الخالصة المحددة بموجب الاتفاقية ويستوجب موافقتها.
ولكن مصر سارعت لإعلان رفضها تصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم بين ليبيا وتركيا لتحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط، وقالت وزارة الخارجية إن المذكرة باطلة بطلانا مطلقا، ومعدومة الأثر القانوني، ولا يرتب التصديق عليها من مجلس النواب الليبي أي آثار قانونية بالنسبة لمصر.
وأضافت الخارجية أن مذكرة التفاهم تخالف مبادئ القانون الدولي للبحار، وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 الخاصة بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، والتي تعتمد مبادئ العدل والإنصاف، حيث تنطوي المذكرة على مساس واضح بالحقوق السيادية المصرية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري".
ولفتت إلى أن مصر سبق وأن اعترضت بشكل قاطع على مذكرة التفاهم المشار إليها، وتجدد القاهرة رفضها للمذكرة ولأي إجراءات أو تصرفات صادرة عن أي طرف، استنادا لتلك المذكرة، بما يتعارض مع الحدود البحرية المصرية المعلنة، كما تحتفظ بحقها في حماية حقوقها التي يكفلها القانون الدولي والتصدي لأي محاولة للإخلال بها.
أما اليونان، فأعلنت هي الأخرى رفضها قرار مجلس النواب في شرق ليبيا الموافقة على اتفاق ترسيم الحدود البحرية، وأكدت أن الاتفاق لا يوجد له أثر قانوني، باعتباره ينتهك القانون البحري الدولي، ويمس الحقوق السيادية لدول المنطقة، كما أن تركيا وليبيا لا تربطهما سواحل متقابلة أو متجاورة تبرر هذا الترسيم البحري، وطالبت أثينا، ليبيا، إلى الامتناع عن أي خطوات من شأنها تقويض الاستقرار في شرق البحر المتوسط، مشيرة إلى أنها أبلغت شركاءها وحلفاءها بالأمر، وأنها ستتخذ جميع التدابير المناسبة لحماية حقوقها السيادية.
ولا تعد هذه الاتفاقية مجرد إجراء دبلوماسي لترسيم حدود مائية، بل أحدثت زلزالاً جيوسياسياً، وعادت لتتصدر المشهد السياسي والدولي مجدداً عقب تصويت مجلس النواب الليبي في طبرق بالموافقة على اعتماد المذكرة البحرية وسحب قرار مقاطعة تركيا.
وتمثلت أبرز دوافع تركيا من توقيع الاتفاقية في كسر العزلة البحرية، عبر ما يسمى بمشروع الوطن الأزرق Mavi Vatan، حيث يسعى المشروع البحري التركي للحد من تحركات القوى المنافسة ومنع حصر الجرف القاري التركي في شريط ضيق قبالة سواحل الأناضول.
كما تسعى تركيا من وراء الاتفاقية البحرية مع ليبيا إلى تقويض منتدى غاز شرق المتوسط، ومحاولة تعطيل مشاريع مد أنابيب الطاقة مثل مشروع EastMed، الذي يشمل مصر واليونان وقبرص وإسرائيل دون إشراك تركيا.
ويرى الدكتور محمد بسيوني، خبير العلاقات السياسية، الأمين العام السابق لحزب الكرامة أن أبرز أسباب الاعتراض المصري على الاتفاقية البحرية الموقعة بين تركيا وليبيا تعود إلى مساسها بالحقوق السيادية لمصر، حيث ترى القاهرة أن ترسيم الحدود في هذه الاتفاقية يتداخل بشكل صارخ ومباشر مع منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري في شرق البحر المتوسط.
كما أكد "بسيوني" لـ «الصفحة الأولى»، أن تلك الاتفاقية تخالف القانون الدولي للبحار، حيث تعتبر مصر أن المذكرة تتعارض مع أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، خاصة فيما يتعلق بقواعد تعيين الحدود البحرية بين الدول المتقابلة والمنصفة.
وانتقد "بسيوني" إبرام الاتفاقية دون التنسيق مع مصر أو مع الدول المتأثرة في شرق المتوسط مثل اليونان وقبرص، حيث تتجاوز الجغرافيا والمصالح الاقتصادية المشتركة في المنطقة، كما تتعارض مع اتفاقيات تعيين الحدود البحرية التي وقعتها مصر مع دول في المنطقة، وأبرزها اتفاقية ترسيم الحدود مع اليونان.
أهم بنود اتفاق ليبيا وتركيا
تضمن النص المعلن للمذكرة عدة بنود رئيسية ترتكز على القوانين البحرية والرؤية المتبادلة بين تركيا وليبيا، وأهمها:
تحديد مناطق الصلاحية البحرية والجرف القاري، حيث تهدف المذكرة إلى ترسيم خط بحري يربط بين السواحل الجنوبية لتركيا والسواحل الشرقية لليبيا، كما تحيل المادة الأولى في بنودها إلى نقاط الأساس وخط الوسط المحددين في الملاحق الفنية المرفقة، والتي تتضمن 18 نقطة مرجعية على الساحل التركي ومثلها على الساحل الليبي لقياس الحدود البحرية، وتحدد المادة الأولى نقطتي نهاية (يشار إليهما بالرمزين أ و ب) جنوب شرق جزيرة كريت بطول يبلغ حوالي 33 كيلومتراً بناءً على الإحداثيات المنشورة.
أما عن الحقوق الاقتصادية والسيادية، فتتيح الاتفاقية للطرفين إقرار مناطق اقتصادية جديدة، مما يمنحهما حقوقاً سيادية في استكشاف الموارد الطبيعية والتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط، كما نصت الاتفاقية على حقوق الجرف القاري، والتي تتعلق بقاع البحر وباطنه (مثل النفط والغاز)، وتختلف عن السيادة الكاملة على المياه الإقليمية حيث لا تمنح الدولتين سيطرة مطلقة على حرية الملاحة العادية للآخرين.
كما تنص الاتفاقية على احترام سيادة الطرفين، عبر التأكيد على عدم إمكانية قيام أي دولة أخرى بأنشطة تنقيب أو استكشاف في هذه المنطقة المحددة إلا بموافقة الطرفين، وتبادل المعلومات الاستكشافية، من خلال اتفاق الطرفين على مشاركة البيانات والمعلومات المتعلقة بالموارد الطبيعية في المنطقة المحددة.
وتعديل الحدود مستقبلا، من خلال التزام الطرفين بالتشاور في حال دخل أي منهما في مفاوضات لترسيم الحدود مع دولة ثالثة في المنطقة.
كما ارتبطت الاتفاقية البحرية بين الجانبين، بالدعم العسكري، حيث جاء التوقيع بالتوازي مع مذكرة تفاهم ثانية للتعاون العسكري والأمني، والتي أتاحت لتركيا تقديم دعم عسكري مباشر لحكومة الوفاق في طرابلس، ما ساهم في تغير موازين القوى الميدانية عام 2020.
كما مهدت الاتفاقية الطريق لشركات الطاقة التركية (مثل TPAO) للحصول على تراخيص للاستكشاف والتنقيب عن النفط والغاز في المناطق البحرية المحددة.
وعلى الصعيد الإقليمي، دفع التحرّك التركي الليبي كلاً من مصر، والأردن، واليونان، قبرص، وإيطاليا والكيان الإسرائيلي، إلى توطيد التعاون وتحويل "منتدى غاز شرق المتوسط" إلى منظمة إقليمية رسمية في القاهرة لمواجهة النفوذ التركي، وردا على الاتفاقية أيضا، وقعت مصر واليونان في أغسطس 2020 اتفاقية لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة بينهما، والتي تداخلت مع الخطوط التي رسمتها الاتفاقية التركية الليبية.
كما أعلن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والعديد من القوى الإقليمية رفضهم للاتفاقية، معتبرين أنها تنتهك الحقوق السيادية لدول أخرى مثل اليونان وقبرص ولا تتوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) فيما يتعلق بحقوق الجزر مثل جزيرة كريت.
وفي داخل ليبيا، اعترض مجلس النواب الليبي في الشرق على الاتفاقية، معتبرا أن حكومة الوفاق لا تملك الصلاحية القانونية لإبرام اتفاقيات دولية دون مصادقة البرلمان.








