إهدار للمال العام أم ترشيد للمياه
استئناف تبطين 93 مسقى ببني سويف بين «صراع المليارات» ومخاطر جفاف الآبار
أعلنت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي عن صدور قرار رسمي يقضي بـ استئناف أعمال تبطين 93 مسقى بمحافظة بني سويف، تنفيذا لتكليفات من الوزير علاء فاروق، للجهاز التنفيذي لمشروعات تحسين الأراضي الذى بدأ تسليم مواقع العمل للشركات المنفذة للبدء الفعلي بعد فترة من التوقف.
وبينما تعتبر وزارة الزراعة مشروع التبطين ركيزة لرفع كفاءة الري وتقليل الهدر المائي وتأمين وصول التدفقات المائية لنهايات الترع، أعاد القرار النقاش في الأوساط العلمية والاقتصادية حول الجدوى الحقيقية لمشروعات التبطين الخرساني الشاملة، وسط تحذيرات متصاعدة من تقارير بحثية تفيد بأن التوسع غير المدروس قد يؤدي إلى عواقب بيئية واقتصادية وخيمة.
في هذا السياق، كشف تقرير صادر عن معهد بحوث المياه الجوفية التابع لمركز بحوث المياه عن توصيات تدق ناقوس الخطر؛ حيث حذرت الدراسة من مغبة التبطين الكامل لكافة المجاري المائية والترع. وأكد الباحثون أن منع الرشح الطبيعي للمياه عبر قاع الترع والجانبين يقطع الشريان المغذي الرئيسي للخزان الجوفي فى الوادي والدلتا.
وتوقعت الدراسة أن يؤدي الاستمرار في هذا النهج إلى انخفاض حاد في مستويات المياه الجوفية قد يصل لنحو 3.5 متر خلال العقدين المقبلين، وهو ما يهدد بحدوث مشكلات بيولوجية واختلالات بيئية جسيمة، فضلاً عن تجفيف الآبار السطحية التي يعتمد عليها آلاف المزارعين كبديل استراتيجي في أوقات الجفاف أو نقص التدفقات المائية الحقلية.
دراسات الجدوي الفنية
ولم تتوقف التقارير عند الأبعاد البيئية فقط، بل امتدت لتشمل الجوانب الجيولوجية والاقتصادية؛ حيث يرى خبراء الري والجيولوجيا أن استخدام الأسمنت في تبطين الترع والمساقي والمصارف داخل الأراضي الطينية القديمة يفتقر إلى الجدوى الفنية الملموسة. فالتربة الطينية المصرية بطبيعتها مشبعة وتعمل كخزان طبيعي يمنع الرشح الكثيف، بعكس الأراضي الرملية الجديدة التي تتطلب التبطين.
وتوضح الدراسات المستقلة أن الفاقد الحقيقي من المياه لا يحدث بسبب تسرب التربة، بل يرجع في المقام الأول إلى التبخر المباشر نتيجة ارتفاع درجات الحرارة السطحية، والخرسانة المسطحة تزيد من امتصاص الحرارة مما يسرع عملية التبخر بدلاً من الحد منها.
يضاف إلى ذلك الكلفة الاقتصادية الباهظة للمشروع الذي تخطت ميزانيته التقديرية 80 مليار جنيه، في وقت تظهر فيه مشكلات تصدع وانهيارات في قطاعات من الترع المبطنة ببعض المحافظات نتيجة حركة التربة، مما يضطر الدولة لإعادة صيانتها وتحمل أعباء مالية مضافة.
وبناءً على هذه المعطيات، يرى مراقبون أن قرار استئناف أعمال تبطين 93 مسقى في محافظة بني سويف يمثل استمراراً لسياسة فرض الأمر الواقع، متجاهلاً الدعوات البحثية التي نادت بتبني استراتيجية «التبطين الانتقائي».
وتطالب التقارير العلمية بالاكتفاء بتأهيل الكتل السكنية لحمايتها من التلوث أو تكسية المناطق ذات التربة الرملية الخفيفة فقط، بدلاً من التبطين بالجملة الذي يستهلك أجزاء ضخمة من الموازنة العامة للدولة دون تحقيق طفرة ملموسة في حجم الوفر المائي، بل والمخاطرة بمستقبل الأمن المائي الجوفي للبلاد في وقت تشهد فيه المنطقة تحديات مائية غير مسبوقة.








