و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

مرصد وطني للسياسة الجنائية

ردا على دعوة طارق سرور.. شادي البرقوقي يطرح فكرة «البطاقة التشريعية للجريمة»

موقع الصفحة الأولى

قدم المستشار شادي البرقوقي، طرحا تحليليا، للتعقيب على دعوة الدكتور طارق سرور، أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائي في كلية الحقوق جامعة القاهرة، لإعداد قانون عقوبات جديد ومعالجة مشكلة التشريع بالقطعة، مؤكدا أن الدعوة إلى إعادة كتابة قانون العقوبات لا ينبغي أن تفهم كمجرد صياغة نصوص جديدة أو تعديل مواد قائمة، بل هي تشخيص لحالة تشريعية سائدة تتطلب الانتقال الناجز من التشريع بالقطعة، القائم على المعالجة الوقتية للأزمات والترقيع الاستثنائي، إلى "التشريع بالفلسفة" الذي ينبع من رؤية استراتيجية واضحة للسياسة الجنائية للدولة.

ويرى المستشار البرقوقي أن تغيير النصوص دون تغيير العقول والفلسفة التشريعية التي أنتجتها لا يحقق الإصلاح المرجو، فالتشريع هو التعبير العملي عن إرادة الدولة ونظرتها للحرية والإنسان والمجتمع. ولذلك يطرح أسئلة تأسيسية يجب أن تسبق أي صياغة، وهي: ما المصالح القانونية التي تستحق الحماية الجنائية فعلا؟ ومتى يكون التجريم ضرورة ملحة ومتى يمكن الاستغناء عنه ببدائل أخرى؟ وما الغاية الأساسية من العقوبة: هل هي الردع أم الإصلاح أم التحقيق المباشر للعدالة؟

كما تطرق "البرقوقي" إلى صدور قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، المقرر تطبيقه اعتبارا من أول أكتوبر 2026، وشدد على رفض التعامل مع هذا القانون الإجرائي بمعزل عن المدونة العقابية المتمثلة في قانون العقوبات، فالقانونين يمثلان وجهين لعملة واحدة، ويحدد قانون العقوبات الجريمة والجزاء، بينما يحدد قانون الإجراءات الجنائية كيفية الوصول للحق والعدالة وضمان حقوق الدفاع وأصل البراءة.

ودعا البرقوقي إلى إجراء جرد تشريعي شامل لكافة القوانين الجنائية العامة والخاصة لمواجهة التداخل والتكرار والتفاوت في العقوبات، كما طرح فكرة "البطاقة التشريعية للجريمة"، حيث يخضع كل سلوك يراد تجريمه لبحث مسبق يحدد درجة الخطر والمصلحة المحمية، ومدى إمكانية الاستعاضة عن العقوبة الجنائية بوسائل مدنية أو إدارية أو وقائية أقل تكلفة حقوقية، وكذلك التناسب العقابي وضمان إعمال بدائل العقوبات السلبية للحرية وتفريد العقوبة.

العدالة التصالحية

وشدد البرقوقي على ضرورة إفساح المجال لـ العدالة التصالحية كمكمل للعقوبة في الجرائم التي تسمح طبيعتها بذلك، لإصلاح الضرر وإشراك الضحية وإعادة تأهيل الجاني ضمن ضمانات قانونية حازمة.

كما أشاد بالنماذج التي قدمها قانون الإجراءات الجنائية الجديد في المادة 114 ببدائل الحبس الاحتياطي السبعة والعرض الدوري على النائب العام، وأشار إلى أن هذه النصوص تجسد فكرة "قياس أثر التشريع" بعد التطبيق للوقوف على مدى نجاح السياسات ومواجهة المعوقات المؤسسية.

ولضمان استمرارية التطوير والابتعاد عن العشوائية أو الجمود التشريعي، اقترح البرقوقي إنشاء "مرصد وطني للسياسة الجنائية"، يتم تشكيله من هيئة استشارية مستقلة تضم قضاة، وأعضاء نيابة عامة، ومحامين، وأساتذة قانون، وتكون مهامه متابعة تطور الجريمة، ورصد اتجاهات القضاء، ووضع مؤشرات "الصحة التشريعية"، وإصدار تقارير سنوية للرأي العام، والتعاون مع مجلس القضاء الأعلى والنيابة العامة لتقييم القوانين المطبقة.

ولفت إلى أن إدخال المحاكمات عن بعد، والإعلانات الإلكترونية، والدليل الرقمي في قانون الإجراءات الجديد ليس مجرد تحديث تقني، بل هو إعادة تعريف لبنية السياسة الجنائية، وهو ما يطرح أسئلة جوهرية حول حقوق الدفاع، وحجية الوسائل التقنية، والقرائن القانونية للعلم في الفضاء الرقمي.

وأكد أن مقال الدكتور طارق سرور فتح الباب أمام السؤال الأهم في تاريخ التشريع المصري الحديث: هل نبدأ من النص أم من الفلسفة التي تنتجه؟ مشيرا إلى إن الانتقال من "التشريع بالقطعة" إلى "التشريع بالفلسفة" يمثل الفرصة التاريخية لبناء منظومة قانونية متوازنة تجمع بين حماية المجتمع وصون الحقوق والحريات، وتضمن تطور النص التشريعي مع تحولات العصر والتكنولوجيا دون الإخلال بمبدأ الشرعية ومقتضيات المحاكمة العادلة.

تم نسخ الرابط