واحتلوا (أوفرا) بعد (الخليل)، وهي البلد الثاني الذي يحتلوه من المنطقة العربية بعد قرار التقسيم، إنهم لم يكتفوا بقرار التقسيم العاهر، بل زحفوا على أرض فلسطين المخصصة لهم، وأعلنوا حججاً تافهة تتعلق بتفسيرهم لنصوص التوراة، ودخلت الاتجاهات الدينية في الموضوع كما بينا.
لقد شارك إريل شارون في رؤيته لإسرائيل في نهاية القرن، لقد فتح المجال لمليون إسرائيلي كي يستقروا في المناطق المحتلة حتى عام 2000، ولم يخف شارون حلمه بشأن زيادة المستوطنات – بدافع الدين – وبالفعل زاد بالضفة الغربية عدد اليهود حول القدس، حتى وجدت ثلاثة خطوط تمتد من الشمال إلى الجنوب وقد بلغت الأعداد المستوطنة عام 2002 بوادي الأردن حوالي 5400 مستوطن يهودي، معظمهم من معسكر الكيبوتس.
وقد نظموا حربا اقتصادية قاسية على الفلسطينيين، فقد حرموهم من الموارد الضرورية كالأرض والمياه، وندرت السلع الرئيسية في الوقت الذي وفرتها للشريط الاستيطاني الأوسط الذي بلغ تعداده حوالي 34000نسمة يهودية مفعمة بالتعصب والكراهية، وهذا الشريط الاستيطاني يمتد من هضبة الضفة الغربية بمحاذاة الشارع رقم 60 حيث يوجد محور حركة المرور الرئيسي من الشمال إلى الجنوب.
يذكر الكاتب هايكو فلوتاو والصحفي الخبير في شئون الشرق الأوسط، (كتبت منظمة بتسليم: "لكي تؤمن سلامة المستوطنين اليهود يقوم الجيش الإسرائيلي بتضييق شديد لحرية الحركة على الفلسطينيين")، وهكذا كان منهج اليهود في جميع المستوطنات التي احتلوها على حساب الفلسطينيين في جميع المدن العربية كالخليل، ورام الله، ونابلس، وجنين، حيث اتبعوا معهم كل وسائل الشدة.
ومن الملاحظ أن الشريط الغربي لحركة الاستيطان والذي يمر بمحاذاة الخط الأخضر، قد ضم ما يقرب من 85 ألف نسمة من اليهود، وهنا الخط الأخضر هو الحاجز الوهمي الفاصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين قبل حرب 1967، ولم يكتف اليهود بفرض هذا العدد الطاغي، بل شددوا على حرية الفلسطينيين بتضييق الخناق عليهم، وأكثروا من نقاط التفتيش المبالغ فيها خاصة في الشوارع الرئيسية، لدرجة أن تعوق السير، بالمسافة مثلا – بين رام الله إلى نابلس حوالي سبعين كيلومترا يمكن أن تأخذ في الطبيعي ساعة واحدة أو أقل.
لكنها في ظل الموانع والعوائق والصعوبات تستغرق يوما أو أطول من ذلك بما يزيد عن نصف يوم، وذلك من كثرة لجان التفتيش التي يجرونها على الفلسطينيين بتعنت شديد، وربما أتلفوا لهم أثناء عملية التفتيش كثيرا من المواد الغذائية، أو صادروا منهم بعض الممتلكات الرئيسية، وإلى غير ذلك من التعنت والغضب، ربما وجدوا حلقا ذهبا في إذن طفلة صغيرة فاستولوا عليه غصبا حتى لا يلجأ الفلسطيني إلى بيعه والانتفاع منه!!
في الوقت ذاته حرضت التوجهات الدينية من خلال (جوش إمونيم) وغيرها، فضلا عن رجال الدين في المدارس الدينية، حرصت على زيادة أعداد المستوطنين، بل أوهموهم أن هذا عملاً يقربهم إلى رضا الرب عنهم، لذلك ارتفعت أرقام المستوطنين السابقة إلى 124 ألف نسمة بالضفة الغربية، وزاد الحزام الاستيطاني حول منطقة القدس الشرقية عام 2002م إلى ما يزيد عن 170 ألف نسمة وبصورة واضحة لا تخفى على أحد.
وكرست الاتجاهات الدينية جهودها في دعم المستوطنات دون اعتراض مسموع، وفي 2007م أعلنت الإحصائيات الإسرائيلية بشكل رسمي من خلال منظمة بيتسيلم باستقرار 271 ألف مستوطن بالضفة الغربية، و191 ألف بالحزام الاستيطاني حول منطقة القدس الشرقية، وبهذا يكون المجموع الكلي 462 ألف مستوطن يهودي، ولم تغفل الإحصائية الإسرائيلية سكنى مرتفعات الجولان التي بلغت تعداد اليهود فيها 180 ألف بحد أدني وذلك وفق أخر إحصائية لهم عام 1967م، وبالطبع زادت الأعداد، خاصة بعد ما أدرك الجميع أن المنطقة آمنة تماماً إذ لم يطلق السوريون رصاصة ولو صوتية على الجولان لاستردادها.
الحزام الاستيطاني
ولم يكن الحزام الاستيطاني حول القدس الشرقية يُبنى بشكل عشوائي وغنما روعي فيه أن يقسم المنطقة إلى قسمين، أحدهما أكبر من الأخر وهو الجزء الذي فيه مستوطنة جوش إبتسون التي تقترب من بيت لحم.
وقد بدأ الإسرائيليون برياسة إيهود أولمرت في التفاوض في مؤتمر (أنا بوليس) في الولايات المتحدة مع الفلسطينيين، وفي نوفمبر 2007م والذي من شأنه أن يحرك عملية السلام المعقدة، وظهرت بوادر اتفاق وتراض، وإذا باليهود يخلفون وعودهم، ويتغافلون عما اتفقوا عليه، وزادوا من التوسع في عملية الاستيطان في منطقة جبل أو غنيم التي تقع في الطريق المؤدية لبيت لحم، وأصبح قيام دولة فلسطين بالأمر المستحيل زاد من ذلك أن إسرائيل قد نزعت ملكية ما يقر من 2000كم2 من أملاك الفلسطينيين بالقهر، ومباركات رجال الدين تصيح بالرضا في المعابد.








