وضاعت مدينة الخليل المستوطنات، وليذكر أن الخليل كانت في المنطقة العربية الفلسطينية بعد التقسيم سنة 1947، استولت عليها دولة إسرائيل بمنحها الضوء الأخضر للتيارات الدينية اليهودية المتشددة، وفي مناخ زعم فيه بعض رجال الحكومة الإسرائيلية عدم رضاهم عن هذه المستوطنات، في شكل تمثيلية هزلية في ظاهرها الزعل من هذه المستوطنات، وفي باطنها السعادة والشعور بالفخر والاعتزاز طالما أجهزوا على الفلسطينيين.
وتواصل جماعة إمونيم "جوش إمونيم" جهودها في تأسيس مدارس دينية متعصبة، وتنشر عقيدة الأرض التي وعدها الله أبناء إسرائيل، والتي ضمت لبنان، وحين مدت إسرائيل في هجومها على لبنان كانت هده المنطقة من ضمن الأرض التي وعدها الله لهم.
وبعد فترة وجيزة من تأسيس حركة "جوش إمونيم" اتخذت سبلا أخرى جديدة لمناهج تعليمية ودعوية تصور فكرة هبة الله، إسرائيل الكبرى في الأذهان، وتبلورها في عقول الساسة والكتاب، وكان نموذج استيلاء المستوطنين على مدينة الخليل وطرد الفلسطينيين منها هو المثال الذي يجب عمل مثله في المناطق التي سوف يضعون أقدامهم عليها، وبدأوا في البحث عن منطقة أخرى لها أي مرجعية ممتدة في تاريخ اليهود، واختاروا تلك المرة مدينة "أوفرا" التي تقع شرف "رام الله"، وزعموا أن هذه المنطقة سكنها اليهود في القرن الثاني عشر قبل الميلاد.
ثم اتخذوا خطوات مرتبة منظمة لكي يتم الاستيلاء على "أوفرا" فبدأت بالبحث عن منطقة عمل يزجوا بأنفسهم للعمل فيها، وتحروا أن يكون العمل بالجيش الإسرائيلي قدر المستطاع، وتسللوا بأعداد مناسبة لتحقيق مآربهم، ثم طلبوا من الجيش السماح لهم بالمبيت في منطقة العمل، حيث يفرض عليهم الأمر أن يستمروا في العمل مدة طويلة، تحول بين عودتهم ليلا لبيوتهم، والعودة مرة أخرى في الصباح التالي، وبدأت أعمال التنفيذ في 1975، وهنا يمكن للباحث أن يقارن ماذا فعل العرب بعد نصر 1973، وماذا فعل اليهود في التوقيت ذاته؟!
لقد نشطت "جوش إمونيم" لتحريض العمال للاستيطان، ففعلوا، ففعلوا وسكنوا منطقة العمل وتوسعوا فيما حولها، وبنى المستوطنون اليهود معسكرا لهم، وأحاطوه بسياج وبدأوا في العمل الفعلي دون انتظار أمر حكومي بالبناء، وإن كان هذا التصرف يبدو غريباً فإن الأغرب هو استسلام شيمون بريز وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك لهذه التصرفات، وتغافل عنها بالكلية.
مستوطنات مسلحة
لقد كانت منطقة "أوفرا" منطقة محظورة عسكرياً، ولكنها فتحت أبوابها للمستوطنين كي يحتلوها ولا حياء، وأعلنت "جوش إمونيم" نشرة قالوا فيها: "أوفرا السياج الذي تمخضت عنه مستوطنة" ولم يخف على جميع التوجهات أن الليبرالي شيمون بريز هو الذي أسهم في إنجاح "جوش إمونيم" في مهمتها التي تنطلق بدافع ديني لم يخف على أحد.
ولما علم يوسى ساريد نائب رئيس الكنيست الإسرائيلي بوجود مستوطنة "أوفرا" قام بزيارتها، وبعد عودته من تلك الزيارة صرح بأنه يتعجب من إقامة مستوطنة كاملة بدون تصريح من الحكومة، وكأنه لم يكن يعلم قط، وليكمل التمثيلية.
لقد أضحى في منطقة "أوفرا" ثلاثة الاف نسمة يزدادون كل ساعة بالعشرات، وأصبح المشهد معقدا، من حيث التصريحات فإن جماعة "جوش إمونيم" أعلنت في أكثر من منشور لها حتمية بناء مستوطنات على كل البقاع التي ورد أسمها في وعد الله لبني إسرائيل، وأما السلطة السياسية فلم تبد اعتراضاً واحداً، وأما البرلمان "الكنيست" فقد أبدى بعض التعجبات المزورة، إن الجميع قد اتفق على ذبح الفلسطينيين، وإقامة مستوطنات مسلحة ترتكب كل يوم كارثة دموية بحق الشعب المكلوم.








