كانت هناك جبهات معارضة لتشييد المستوطنات، وجبهات ليبرالية تخلط معها شيئا من الدين، وبعد فترة ليست بالطويلة تبين أنهم جميعاً يسيرون في طريق واحد ولا يفرق توجه الليبرالي عن الديني في إسرائيل فجميعهم يرجو هلاك العرب المسلمين جميعاً، وقد ظهر ذلك جليا بعد أحداث الخليل التي استغلها اليهود وأقاموا فيها احتفالات عيد الفصح، بحجة أن المكان يحمل ذكرى مقتل 67 يهودياً.
وربط الحاخام موشى ليفنجر بين الأحداث المتوالية في تلك المنطقة ورسخ مفهوم حتمية الهيمنة الكاملة بمستوطنات شاملة، وتمهيدا لذلك تقدم بطلب للحاكم العسكري الإسرائيلي بأن يقيم 48 ساعة في الخليل، وذلك بعد مرور عام ونصف تقريبا على حرب 1967م، ومكث فيها ومعه فريق من أتباعه، وفي أبريل سنة 1968 أعلن البقاء في المنطقة التي تحولت إلى مستوطنة كاملة المعالم كان خلالها يزيد في تأجيل التجمع، وزارهم وبصفة رسمية الوزير إيجال آلون، فأصبح الأمر واقعا لا يمكن تغييره.
وتقدم أحد النواب في الكنيست باستفسار قدمه لموسى ديان بشأن بقاء المستوطنة المزروعة مؤخراً في المدينة العربية الخالصة من عدمه، وما نيّة هؤلاء المستوطنين المزروعين بين جنبات مدينة إسلامية عربية خالصة ليس فيها ما يخص اليهود تاريخياً في شيء، وكان القرار العجيب هو استمرار هذه المستوطنة، ثم صدرت التعليمات بضرورة أن يتولى الجيش حماية المتوطنين الغاصبين من الاعتداءات الفلسطينية!.
ولم يكن المشهد المؤلم ينتهي عند هذا الحد، بل كان يعنى طرد ملاك اليهود من بيوتهم والعدوان عليهم، وإذا قاوم أحدهم دفاعاً عن أرضة وبيته وعرضه قتلوه، واعتبروا القتل مقاومة أدت – قضاء وقدر – للموت، وكانت مشاهد إخراج السكان الفلسطينيين من بيوتهم تدمي القلوب السليمة حتى ولو كانت كافرة، وفي المقابل كانت هناك بعض الدول العربية تمنع هذه المشاهد بحجة أنها تؤذي العين الساهرة في اللهو والعبث.
وجاءت الخطوة التالية حين قام الجيش الصهيوني بتسليح المستوطنين المحتلين اليهود، وصدرت لهم الأوامر بألا يتحركوا خارج المستوطنة إلا وهم يحملون السلاح، وفي الإطار نفسه أكد الوزير إيجال آلون عام 1969 بعد مرور سنة على الاحتلال الضفة الغربية وغزة جعلت من بناء المستوطنات جزءاً أساسياً من سياساتها، وأرسل بذلك رسالة إلى العالم بأن عمل الاستيطان جزء لا يتجزأ من عملية بناء الوطن الإسرائيلي.
وهنا بدت لهجة أنصار التيار الديني ليؤكدوا أن الاستيلاء على الخليل خطوة في طريق خريطة بناء الوطن كما جاءت في التوراة، وأطلقوا على الخليل مدينة البطارقة نسبة لوجود إبراهيم وإسحاق ويعقوب وزوجاتهم السيدة سارة، والسيدة هاجر، والسيدة ليئة، وهم جميعاً مدفونون بها، وهذا الكلام عليه بعض المعارضات التاريخية، لأن السيدة هاجر أم إسماعيل عليهما السلام، قد دفنت بمكة على أرجح الأقوال، ولسنا في مجال تحقيق تاريخي، ولكن نحن أمام خطط متوازنة تشير وفق رؤية يهودية منظمة.
وهذه الهجمة تبناها الحاخام المتعصب موشى ليفنجر، الذي استمر يثير حتمية حماية المستوطنات بكل الوسائل العنيفة، وكان يثير الزوابع ليناهض بعض الآراء التي مدحت الموقف على اعتبار أن الخليل منطقة يعتز بها أصحاب الأديان الثلاثة.
مستوطنات الخليل
وقد يرضى القتيل ولا يرضى القاتل، فقد صدرت في عام 1970م قرار الكنيست الإسرائيلي بناء مستوطنة في شمال منطقة الخليل باسم (كريات أربع) واعترض النائب الإسرائيلي أورى أفنيرى على ذلك معللا أن بناء المستوطنات على هذا النحو يعوق أي حياة سلمية مع الفلسطينيين، ولم يعجب هذا الاعتراض إيجال آلون، فتصدى بعنف لهذا الرأي دون أي اعتبارا لرأي مخالف، وساعده على هذه الحدة أنه أصبح وزيرا للتربية ونائبا لرئيس الوزراء، وأكد أن وجود مستوطنات يهودية سوف يقاوم أي نفرات جهاد يقوم بها لفلسطينيون، وأثار ذاكرة ثورة الفلسطينيين سنة 1929 حين قتل بسببها 67 يهوديا.
ولم يكن هناك أي وقت يضيع في مهاترات فقد أتاحت الحكومة الإسرائيلية لكبار المستوطنين اليهود أن ينتقلوا إلى مستوطنة (كريات أربع) وفي 1971م تكدست المستوطنة الجديدة باليهود المسلحين المدنيين، مع وجود كتائب من الجيش لحمياتهم، وتطوع بعض المقاولين من الفلسطينيين في البناء المشيد لهذه المستوطنة، وحصدوا من جراء ذلك الأموال الطائل.
وأصبحت الخليل بما فيها من مستوطنات قد جمعت اليهود بثقافتهم ومدارسهم الدينية والمدنية ومعاهدهم التعليمية، لكن هل رضوا بذلك؟!








