اشتد تطرف الاتجاه الديني في إسرائيل ليبلغ درجة من عرج الفهم وعوار المنطق!!، فقد هجموا على اتفاقية أوسلو سنة 1993 هجوماً شرساً، وانضم المستوطنون لهذا الهجوم العاتي الأحمق، إن اتفاق أوسلو جمع اعترافاً متبادلاً بين الفلسطينيين وإسرائيل، لكن أصحاب التوجه الديني في إسرائيل رأوا في هذه الاتفاقية عدواناً على الله!!، لقد رأوا فيه إساءة لله، واعتبروا اليهود المشاركين في عقده جملةً من خونة الدين والوطن.
وكان اتفاق أوسلو يلزم تسليم اليهود جزءاً – على الأقل – من الضفة الغربية المحتلة للرقابة المدنية الفلسطينية، وهناك تسليم من السلطة الفلسطينية بحق المستوطنين في الحياة الآمنة!!، لكن ما زال شعار المتدينين اليهود: "يرضى القتيل، وليس يرضى القاتل"، كما أظهر المتدينون خطورة ما آلت إليه اتفاقية أوسلو سنة 1993 على مستقبل المستوطنات، لأن الفلسطينيين سوف يطالبون بما لهم في الضفة الغربية، وهذا الاعتراف قد منحهم شرعية أخرى للمقاومة!!
ولا شك أن الاتجاه الذي يصوره اليهود على رأس سياستهم يهدم الفلسطينيين من الأصل ويقتلعهم من جذورهم، وفي الوقت ذاته صرح يوسي بيلين، أحد أفراد الفريق اليهودي المفاوض في أوسلو، أن هذه الاتفاقية تأخرت عدة شهور بسبب أننا أردنا التأكد من حصول جميع المستوطنات على الأمان، وأنها تحيا مسالمة مستقرة، وأن جميع المستوطنات كان وضعها هو الأفضل بعد اتفاقية أوسلو.
وأصبحت كتلة جوش إيمونيم في صدر بغاة الفتنة منذ ظهورهم بعد حرب سنة 1967، وذلك لأن أولويات هذه الجماعة قد تختلف بعض الوقت عن أولويات الدولة، لكن في واقع الأمر – ومن وجهة نظري – أن اتجاه كتلة جوش إيمونيم اليمينية المتشددة باسم – كتلة الإيمان – لا يختلف كثيراً عن توجه حكومة إسرائيل في التعامل مع الفلسطينيين، فحركة جوش إيمونيم تسعى لتجديد الاتجاه الصهيوني، الذي استمدوه من راف كوك، رجل الدين الأشكنازي الأصل، والذي كان قد ظهر سنة 1924 بحركة (مركاز هراف).
والذي وضع دستوراً لجماعته يرسخ فيه أسس حركته بقوله: "إن دعوة اليهودية إلى فلسطين الموعودة وتوطين اليهود فيها وإنشاء الأرض هو بداية الخلاص". وبعد موته سنة 1935 بقيت تعاليمه متداولة حتى عام 1974، وقد جددت جماعة جوش إيمونيم هذه الأفكار بعد سنة 1967 مستغلة نشوة النصر في نشر هذه الأفكار، مع رؤية تفيد بأن الله حين رأى إيمان شعب اليهود بهذه الأفكار نصرهم في حرب الأيام الستة (1967).
والرؤية الجغرافية تبين أن توسع الدولة اليهودية في بناء المستوطنات يبين حجم المساحة التي توسعوا فيها باسم الدين، والرؤية التوراتية وتبرير كتلة جوش إيمونيم أن التوسع في الاستيطان هو عبادة توراتية نحو تحقيق أرض الميعاد، وخوفاً من انحسار رقعة الاستيطان، فمثلاً قبل سنة 1967 كانت مساحة الأراضي التي احتلتها إسرائيل عرضاً حوالي 10 كيلومترات (6.2 ميل)، والمساحة تزداد على مدار السنين.
الكيانات الدينية
وظهر على السطح كيان ديني آخر يسمى "غجلات"، ومعناها الركيزة الأساسية لتعليم التوراة، وقد انضمت إلى كيان جوش إيمونيم في معظم توجهاتهم الدينية، ويزداد أنصار التوجه الديني في إسرائيل ساعة بعد ساعة، ومسألة لوم المتدينين في إسرائيل على تشددهم هي بمثابة تمثيلية لا مصداقية فيها، فالتوجه العام في إسرائيل هو توجه الكيانات الدينية الصهيونية.
وقد بدت جماعة جوش إيمونيم بمنهج عنيف يجبر الفلسطينيين على ثلاث خيارات شديدة الاضطهاد: الأول: أن يقبل الفلسطينيون وجود الصهيونية كفكرة سائدة مع هيمنة الشعب اليهودي، ومقابل ذلك تمنحهم الدولة حقوق المواطنة ولليهود عليهم درجة. الثاني: أن يرفض الفلسطينيون الاعتراف بالصهيونية، مع قبول التسليم بالقوانين الإسرائيلية، وحينئذ سيقيمون كأغراب بتصريح إقامة داخل إسرائيل، الثالث: يحق للفلسطينيين أن يقبلوا المساعدات الاقتصادية ويستخدموها في تدبير أمر رحيلهم نهائياً من أرضهم إلى بلاد عربية يختارونها.
وسنقرأ كثيراً عن معارضات وآراء علمانية إسرائيلية ضد المتدينين المتشددين، وسنجد العلمانيين واليساريين ينفذون سياسة التوجه الديني، فإن هذا الزخم الكلامي، وتزاحم الآراء المتباينة والمتداخلة، قد يزعج الباحث عن الحقيقة، وقد يصل إلى شيء منها. لكن في نهاية الأمر، فإن الحكومة الإسرائيلية ما هي إلا وجهة قاتمة لهذا التوجه الديني.








