تساؤلات عديدة أثارتها مناقشات مجلس النواب لمشروع قانون "جهاز مستقبل مصر"، أبرزها: لماذا قد يحتاج الجهاز إلى صلاحيات استثنائية؟
البعض فهم نصوص القانون بطريقة خاطئة، لكني تعلمت من دراستي للقانون أن الرد على الانتقادات ليس بإنكارها، وإنما الاعتراف بها أولًا، ثم الرد عليها بالحجج القانونية والاقتصادية.
أغلب التساؤلات تركزت حول ثلاث نقاط رئيسية: اتساع صلاحيات الجهاز، وحجم أصوله وموارده المالية، وطبيعة الرقابة التي يخضع لها، رغم مشروعية هذه التساؤلات، فإن الإجابة عليها تستوجب النظر إلى فلسفة إنشاء الجهاز، لا الاكتفاء بقراءة بعض النصوص بمعزل عن أهدافها.
أولًا: لماذا مُنح الجهاز صلاحيات واسعة؟
الدولة المصرية تنفذ اليوم مشروعات قومية تتجاوز المفهوم التقليدي للعمل الحكومي، فهي تجمع بين الزراعة والصناعة واللوجستيات والتجارة والأمن الغذائي والاستثمار في إطار واحد، ولو وُزعت هذه الاختصاصات بين عشرات الجهات الحكومية، لأصبحت الإجراءات أكثر بطئًا وتعقيدًا، وهو ما عانت منه الدولة لعقود.
صلاحيات واسعة
لذلك جاء منح الجهاز صلاحيات واسعة بهدف مساعدة جهات التنفيذ وتسريع اتخاذ القرار، لما يتمتع به الجهاز من إمكانيات وتحرره من البيروقراطية، وليس إنشاء كيان موازٍ ينافس مؤسسات الدولة أو يحل محلها، فكلما كانت جهة التنفيذ موحدة، زادت القدرة على الإنجاز وتقليل تكلفة الوقت، وهو ما أثبتته تجارب العديد من الدول التي أنشأت هيئات خاصة لإدارة المشروعات الاستراتيجية.
ثانيًا: ماذا عن الأصول والموارد المالية؟
يرى البعض أن امتلاك الجهاز أصولًا ضخمة يمثل مصدر قلق، بينما الواقع أن المشروعات العملاقة لا يمكن إدارتها دون أصول إنتاجية وتمويل مستدام، فالجهاز لا يقوم على الإنفاق فقط، وإنما يستثمر هذه الأصول لتحقيق عائد اقتصادي يُعاد توجيهه إلى التوسع في الإنتاج، بما يخفف العبء عن الموازنة العامة للدولة.
فكل فدان يتم استصلاحه، وكل مصنع يتم إنشاؤه، وكل مشروع إنتاجي يدخل الخدمة، يتحول من تكلفة إلى أصل منتج يضيف إلى الناتج القومي، ويوفر فرص عمل، ويقلل فاتورة الاستيراد، وبالتالي، فإن قوة أصول الجهاز ليست عبئًا، بل هي إحدى أدوات تحقيق الأمن الاقتصادي والغذائي للدولة.
ثالثًا: هل يعني تبعية الجهاز لرئاسة الجمهورية غياب الرقابة؟
هذه هي أكثر النقاط إثارة للنقاش، فالبعض فهم أن النصوص المنظمة تعني أن الجهاز لا يخضع لأي رقابة مطلقًا، بينما التفسير القانوني يختلف عن ذلك، حيث يخضع الجهاز، وفقًا لمقترح القانون، إلى الرقابة القانونية والدستورية، فأي جهة عامة في الدولة تظل خاضعة للدستور والقوانين، كما تخضع أعمالها للرقابة القضائية متى تعلق الأمر بحقوق أو منازعات، فضلًا عن الرقابة المالية وفقًا لما يقرره القانون.
كما أن تبعية الجهاز لرئاسة الجمهورية تعكس الطبيعة الاستراتيجية للمشروعات التي يديرها، خاصة تلك المرتبطة بالأمن الغذائي والتنمية القومية، وهي ملفات تحتاج إلى سرعة في القرار وتنسيق مباشر بين مختلف أجهزة الدولة.
التجربة هي معيار الحكم؛ يبقى المعيار الحقيقي لأي مؤسسة ليس حجم صلاحياتها، وإنما نتائجها على أرض الواقع، فإذا نجح الجهاز في زيادة الإنتاج الزراعي، وتعظيم الاكتفاء الذاتي، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص العمل، فإن هذه النتائج ستكون أقوى رد على كل الانتقادات، أما إذا قصر في تحقيق أهدافه، فمن حق المجتمع أن يطالب بالمراجعة والتقييم والتطوير.
أثيرت تساؤلات حول المادة العاشرة من قانون "جهاز مستقبل مصر"؛ لأنها نصت على عدم سريان عدد من القوانين المنظمة للهيئات العامة، وشركات القطاع العام، والخدمة المدنية، والتعاقدات الحكومية على الجهاز، واعتبر البعض أن ذلك يمثل خروجًا على القواعد العامة.
إلا أن القراءة القانونية السليمة تقتضي التمييز بين "الاستثناء من قانون تنظيمي" و"الإعفاء من الرقابة أو المساءلة"، فالمشرع لم يمنح الجهاز حصانة من القانون، وإنما منحه إطارًا تشريعيًا خاصًا يتناسب مع طبيعة مهامه الاستراتيجية، التي تتطلب سرعة اتخاذ القرار والمرونة في الإدارة، بعيدًا عن الإجراءات البيروقراطية التي قد تؤخر تنفيذ المشروعات القومية.
ومن المبادئ المستقرة في التشريع المصري أن القانون الخاص يقيد القانون العام، وهو ما حدث مع العديد من الهيئات الاقتصادية والجهات ذات الطبيعة الخاصة التي تعمل وفق نظم قانونية مستقلة، دون أن يعني ذلك خروجها من نطاق الشرعية أو المساءلة، كما أن استثناء الجهاز من قوانين الخدمة المدنية أو التعاقدات الحكومية لا يعني غياب الضوابط، وإنما يعني أن المشرع أجاز له وضع نظم خاصة تحقق الكفاءة والسرعة، وهي فلسفة تشريعية معمول بها في العديد من الدول عند إدارة المشروعات الاستراتيجية.
ولو ظل الجهاز خاضعًا لجميع الإجراءات التقليدية الواردة في هذه القوانين، لفقد أهم ميزة أُنشئ من أجلها، وهي سرعة الإنجاز والقدرة على المنافسة وجذب الاستثمارات وتنفيذ المشروعات القومية في توقيتات قياسية، وهذا ما تحتاجه مصر اليوم.
وبالتالي، فإن المادة العاشرة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها استثناءً من سيادة القانون، وإنما باعتبارها استثناءً من بعض الإجراءات التنظيمية العامة، مع استمرار خضوع الجهاز لأحكام الدستور، ومبدأ المشروعية، والرقابة القضائية، وغيرها من صور الرقابة التي يقررها القانون.
كما أن المواطن لا يهمه أن تطبق جهة ما قانون الخدمة المدنية أو قانون التعاقدات، بقدر ما يهمه أن تصل إليه السلعة بسعر مناسب، وأن تتوافر فرص العمل، وأن تُنفذ المشروعات في موعدها، وأن تُدار أموال الدولة بكفاءة، فإذا كانت المرونة التشريعية تحقق هذه الأهداف دون الإخلال بسيادة القانون، فإنها تصبح وسيلة لخدمة المواطن، وليست امتيازًا لجهة بعينها.
انتقد البعض المادتين (28 و29) باعتبارهما تمنحان "جهاز مستقبل مصر" سلطات مالية واسعة، بما في ذلك قبول الهبات والمنح، والاقتراض، وإصدار السندات والصكوك والأدوات التمويلية المختلفة، وهو ما اعتبره البعض توسعًا غير مبرر في صلاحيات الجهاز.
إلا أن هذا الانتقاد يغفل طبيعة المشروعات التي يتولى الجهاز تنفيذها، فالمشروعات القومية في مجالات الزراعة، والأمن الغذائي، والتصنيع، واللوجستيات تحتاج إلى استثمارات بمليارات الجنيهات، ولا يمكن عمليًا تمويلها من الموازنة العامة وحدها، دون أن يشكل ذلك ضغطًا على الإنفاق العام، ولهذا اتجه المشرع إلى منح الجهاز أدوات تمويل حديثة ومتنوعة، تتيح له جذب رؤوس الأموال، وإبرام شراكات، والحصول على التمويل اللازم لتنفيذ مشروعاته، وهي أدوات تستخدمها الصناديق السيادية والمؤسسات التنموية في مختلف دول العالم.
كما أن النص لم يترك هذه الصلاحيات مطلقة، بل قيدها بضوابط واضحة؛ إذ اشترط أن تكون الهبات والمنح غير متعارضة مع أغراض الجهاز وأهدافه القومية، وأن تتم وفقًا للقوانين والإجراءات المنظمة لذلك، كما ألزم، في شأن الاقتراض والتمويل، بمراعاة الإجراءات الدستورية المقررة، وهو قيد جوهري يمنع الانفراد بقرارات تمس السياسة المالية للدولة.
ومن ثم، فإن هذه المادة لا تمنح الجهاز حرية غير محدودة في التصرف المالي، وإنما توفر له أدوات تمويل مرنة تمكنه من تنفيذ مشروعات التنمية دون الاعتماد الكامل على الخزانة العامة، بما يحقق الاستدامة المالية ويخفف العبء عن الموازنة.
السؤال الحقيقي ليس: هل يمتلك الجهاز صلاحية الاقتراض أو إصدار السندات؟ وإنما: هل تُستخدم هذه الأدوات لتمويل مشروعات إنتاجية تحقق عائدًا اقتصاديًا يفوق تكلفة التمويل؟
فإذا كان التمويل يذهب إلى استصلاح الأراضي، وزيادة الإنتاج، وتوفير الغذاء، وخلق فرص العمل، فإن الاقتراض يصبح وسيلة لبناء أصول تدر دخلًا للدولة، وليس عبئًا عليها، أما إذا استُخدم في الإنفاق غير المنتج، فحينها تكون المشكلة في الإدارة، لا في النص القانوني نفسه.
نأتي إلى سؤال يقول: كيف يمتلك الجهاز صندوقًا للدعم الاجتماعي؟
والإجابة أن الدعم الاجتماعي ليس مرادفًا لصرف الإعانات فقط، بل هو مفهوم أوسع يشمل كل نشاط ينعكس على تحسين حياة المواطن، فعندما يستصلح الجهاز أراضي جديدة، أو يزيد الإنتاج الزراعي، أو يساهم في خفض أسعار الغذاء، أو يوفر آلاف فرص العمل، فهو يمارس دورًا في تحقيق الحماية الاجتماعية بصورة غير مباشرة، وهي من أكثر صور الدعم استدامة؛ لأنها تقوم على الإنتاج، لا على الاستهلاك.
الحقيقة أن أخطر ما في قراءة النصوص القانونية هو اجتزاء عبارة من سياقها، فعبارة "الدعم الاجتماعي"، إذا قُرئت منفردة، قد توحي باتساع غير محدود للاختصاصات، أما إذا قُرئت في إطار أهداف القانون كاملة، فإنها تعني توجيه جزء من موارد الجهاز لخدمة أهداف اجتماعية وتنموية، وليس إنشاء منظومة موازية لمؤسسات الدولة أو انتزاع اختصاصاتها، فالأصل في التفسير القانوني أن تُقرأ النصوص كوحدة واحدة، لا أن يُبنى حكم على لفظة معزولة عن باقي أحكام القانون.
كما أن البعض قارن بين إصلاح الجهاز الإداري للدولة وإنشاء جهاز متخصص لإدارة المشروعات الاستراتيجية، وهي مقارنة ليست دقيقة، فـالإصلاح الإداري الشامل هدف استراتيجي طويل الأجل، بينما الدولة، في الوقت ذاته، مطالبة بتنفيذ مشروعات عاجلة تتعلق بالأمن الغذائي والتنمية وجذب الاستثمار، ولا يمكن تعليق هذه الملفات لحين انتهاء إصلاح الجهاز الإداري بالكامل.
كما أن منح "جهاز مستقبل مصر" إطارًا قانونيًا خاصًا لا يعني إنشاء "دولة موازية" أو تكريس "حكم الفرد"، وإنما يمثل نموذجًا تشريعيًا معمولًا به في العديد من الدول التي تنشئ هيئات وصناديق ذات طبيعة خاصة لتنفيذ مشروعات استراتيجية بسرعة وكفاءة، مع بقائها جزءًا من الدولة وخضوعها للدستور والقانون.
الإصلاح المؤسسي
أما الحديث عن أن الحل الوحيد هو إعادة هيكلة الدولة بالكامل وفق نموذج مقترح، فهو رؤية قابلة للنقاش، لكنها لا تنفي حق المشرع في تبني حلول عملية تناسب احتياجات المرحلة الحالية، فالدولة لا تُدار بالنظريات وحدها، وإنما بموازنة دقيقة بين الإصلاح المؤسسي طويل المدى ومتطلبات الإنجاز العاجل.
ليست القضية "استثناء أم لا"، وإنما: هل سيحقق الجهاز نتائج ملموسة في زيادة الإنتاج، وتعظيم الأصول، وتحقيق الأمن الغذائي، وخدمة المواطن؟ فنجاح أي تشريع يُقاس بآثاره على أرض الواقع، لا بمجرد اختلافه عن القواعد التنظيمية التقليدية.
ختامًا، قوة الدولة الحديثة لا تُقاس بعدد الجهات الحكومية، وإنما بقدرتها على الإنجاز وتحقيق التنمية بكفاءة، و"جهاز مستقبل مصر" لم يُنشأ ليكون سلطة موازية للدولة، بل ليكون ذراعًا تنفيذية متخصصة في إدارة المشروعات الاستراتيجية التي تتطلب سرعة القرار ووحدة الإدارة.
ويبقى الفيصل دائمًا هو الشفافية، والإفصاح عن النتائج، وقياس العائد الحقيقي على المواطن؛ لأن نجاح أي مؤسسة في النهاية لا يُقاس بما تمتلكه من صلاحيات، بل بما تحققه من إنجازات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.








