الخاطرة الأولى: من الحروب إلى الملاعب، ثم عودة إلى الظلم، عندما كانت المدن اليونانية تشكل إمبراطوريات وممالك مستقلة مثل إسبرطة وأثينا، وكان على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط المملكة الفرعونية المصرية، وشرقها الفينيقيون والآشوريون ومملكة بابل، كان القوي يفرض نفسه على الضعيف، فكانت الحروب تشتعل بشكل دوري بين الحضارات، ويسقط القتلى من الجميع، فقط من أجل العظمة وإثبات الذات.
ومع ارتقاء البشرية وتقدمها، اتفق الجميع على استبدال الحروب بالمنافسات الرياضية، ليثبت كل طرف جدارته وتميزه، فحُقنت الدماء، واختارت كل إمبراطورية أبرز أبنائها للمنافسة في الألعاب الرياضية، والمجد للمنتصر.
وفي أزهى مراحل التطور البشري، وبعد الحروب العالمية وملايين القتلى الذين روت دماؤهم ظمأ الإنسان للقتل (أو كما قال سيغموند فرويد: "شهوة الموت")، توصلنا إلى إنشاء اللجان الأولمبية والاتحادات الرياضية، تُدار هذه المنظمات من قبل ممثلي الدول الأعضاء، وتنظم مسابقات دورية تحت إشراف تحكيم عادل يعطي كل ذي حق حقه، لكن الإنسان وغروره وشهوته لا يزالان حاضرين، فإذا أُعطيت أمانة التحكيم لشخص يحمل تعصباً دينياً أو عرقياً، فإنه يميل بصلاحياته لترجيح كفة أحد الطرفين، فيقلب النتائج، وينتصر المهزوم، ويهزم صاحب الحق.
المشكلة الحقيقية ليست داخل الملعب، ولا عند المتنافسين، بل عند الجمهور والمشجعين، الإحساس بالظلم وعدم الحيادية، إذا كان الفشل شخصياً، فالعلاج بالتدريب والعرق، أما إذا كان الفشل نتيجة ظلم تحكيمي متعمد، فقد يدفع الإنسان للعودة إلى الوراء، وتصبح ساحات المعارك بديلاً عن ساحات الملاعب.
كل ما سبق خواطر انتابتني وأنا أتابع مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم، الحكم الفرنسي ومعاونوه في تقنية الفيديو لم يدخروا جهداً في ترجيح كفة فريق على آخر، شعرت وكأننا عدنا إلى القرون الوسطى، وكأن المباراة في مخيلة الحكم حرب صليبية مقدسة ضد "الهراطقة الكفار"، تباً للظلم وشعوره! على العقلاء تدارك هذا الأمر قبل أن ينمو الاحتجاج في نفوس الشعوب، يجب محاسبة الحكم الفاسد، وعلى الأرجنتين أن تخجل من نصر زائف لم يتحقق بالعرق والاستحقاق، بل بالظلم والكيل بمكيالين.
الخاطرة الثانية: التشجيع العربي، دليل الوحدة، أما ما أسعدني وأثلج صدري حقاً، فهو التشجيع الجنوني الذي حظي به المنتخب المصري من كل العرب، من المحيط إلى الخليج، تناقلت وكالات الإعلام هذا المشهد الرائع الذي يثبت أن العرب أمة استيقظت فعلاً.
مهما حاول الغير إيقاع العداوة والبغضاء بيننا، فإن هذا التشجيع أثبت أن أحلام العرب واحدة، وأنهم على قلب رجل واحد، فلسطين قضية العرب، ويجب حلها بحل عادل، والشعوب في لحظات الصدق والعفوية تتجلى فيها أحلامهم موحدة، السعودي والليبي والإماراتي والكويتي والجزائري والسوري والمغربي والعراقي والسوداني، كلهم منظومة حب وحلم واحد، أثبتت مباريات كأس العالم أن أحداً لن يستطيع تفرقة الشعوب العربية.
عقدة اليأس
الخاطرة الثالثة: كسر عقدة اليأس، عبر عشرات السنين حاولوا تصدير فكرة تميز الرجل الغربي، وأن العربي لا يمكنه الانتصار عليه في شيء، حتى تسلل اليأس إلى بعض النفوس الضعيفة.
لكن المنتخب المغربي، ومن بعده المنتخب المصري في لحظاته المشرقة، دمرا هذه الفكرة الملعونة، أصبح الهدف ليس مجرد التمثيل المشرف، بل الوصول إلى الأدوار النهائية وحلم رفع الكأس، هذا يعني أننا نستطيع، وأن شبابنا يمكنهم تحويل بلادهم إلى جنة في كل المجالات، لن نقبل بعد اليوم بالأوهام التي زرعت في العقلية العربية.
المكاسب الحقيقية لهذا المونديال كانت في الترابط الذي أحدثه بين العرب، وفي علاج اليأس الذي كاد يدب في بعض النفوس، شكراً حسام وإبراهيم وكل الجهاز الفني، شكراً لكل اللاعبين الذين أدوا ما عليهم، أسعدتمونا.








