و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

فى ذروة تصاعد حركة الحشود المليونية بتوديع جثمان القائد الأعلى الإيراني "على خامنئي"، صعدت الاحتكاكات الحربية حول "مضيق هرمز" إلى ذروة جديدة، تكاد تهدد بالعودة إلى حرب شاملة، بدأت باغتيال السيد "خامنئي" وعشراتٍ من القادة العسكريين الإيرانيين صباح 28 فبراير 2026، وكأننا نعود إلى نقطة البدء الحربية من جديد، وبالذات مع إعلان "الحرس الثوري" الإيراني عن ردود عسكرية أعنف، وإعلان الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، من قمة حلف شمال الأطلنطي "الناتو" فى "أنقرة"، عن نهاية مذكرة التفاهم مع إيران، وإعلانه أنه لا يؤيد شخصيًا استمرار التفاوض مع الإيرانيين، ووصفه المفاوضين الإيرانيين بنعوتٍ مقذعة، من نوع أنهم "غشاشون" و"محتالون".

وإن ترك "ترامب" نافذةً جانبيةً لإمكانية استئناف التفاوض مع المفاوضين الإيرانيين، الذين سبق له وصفهم بأنهم "عقلانيون" جدًا، وأنهم يعبرون عن نظام إيراني جديد حل محل نظام "خامنئي" المغتال، وساق أوهامًا كثيرة حول القضاء على الصفوف "الأولى" و"الثانية" وأغلب "الثالثة" من قادة النظام الإيراني، وأنه حقق انتصارًا "رائعًا" و "عظيمًا"، وأجبر إيران على قبول الاستسلام الشامل، وبدلالة توقيعها على "مذكرة التفاهم"، التي يريد الآن محوها بالكامل، والانسحاب من مفاوضاتها، على طريقة انسحابه، فى عهدته الرئاسية الأولى، من "خطة العمل المشتركة"، أو "الاتفاق النووي الإيراني"، الذى وقعه سابقه الرئيس الأمريكي "باراك أوباما".

القنابل النووية

وكان رد إيران أن تحللت من التزاماتها بموجب الاتفاق، وزادت فى نسب التخصيب إلى الستين بالمئة، وخلقت هاجسًا جديدًا مرعبًا لإدارة "ترامب" الثانية، اسمه كمية الأربعمائة والخمسين كيلوجرامًا من يورانيوم التخصيب العالي المختفية، الكافية لصناعة عشرات القنابل النووية لإيران، إن أرادت وقررت.

ولا أحد عاقلًا يأخذ تصرفات "ترامب" وأقواله على محمل الجد، فهو يتصرف كزعيم عصابة، لا كرئيس لأقوى دول العالم عسكريًا. وقد أعلن "ترامب" انتصاره "الباهر" المزعوم فى إيران لأكثر من أربعين مرة، وامتدح "مذكرة التفاهم" مرات، ثم عاد لينقلب عليها، وقال إن إيران قبلت تدمير وإنهاء برنامجها النووي، ثم عاد ليقول إنهم ـ أي الإيرانيين ـ ينكرون ذلك.

ولا يوجد شيء فى بنود المذكرة عن القضاء على البرنامج النووي، وحتى فى قضية كمية يورانيوم التخصيب العالي، فلا ذكر فى المذكرة لطلب "ترامب" تسليمها إلى واشنطن، ويبدو أن "ترامب" يجهل حتى ما يوقع عليه، والموجود فى المذكرة مجرد تعهد إيراني بعدم صناعة أو حيازة أسلحة نووية، وليس فى ذلك من جديد؛ إذ إنه مجرد تأكيد على فتوى الإمام الراحل "على خامنئي" بتحريم صناعة الأسلحة النووية (!).

وليس بغريب أن يجهل "ترامب" فتوى القائد الأعلى الإيراني الراحل، فهو يجهل مكانة "على خامنئي" عند الإيرانيين المعاصرين، وعبر علنًا عن دهشته من ملايين الإيرانيين الذين خرجوا فى توديع جثمانه، وقال إنه فوجئ بهم يبكون على "خامنئي"، وكان يعتقد أنهم يكرهونه (!)، ويبدو أن كل معلومات "ترامب" عن "خامنئي" جاءت من فحيح "بنيامين نتنياهو"، رئيس وزراء كيان الاحتلال "الإسرائيلي"، الذى أقنع "ترامب" بمشاركته فى خوض حرب خاطفة على إيران، تبدأ باغتيال "على خامنئي"، ثم يتكفل جهاز "الموساد الإسرائيلي" بإقامة ثورة شعبية إيرانية تخلع النظام من جذوره.

ورغم سذاجة التصور، فقد اقتنع به "ترامب" الأكثر سذاجة، وشن حربه التي استمرت بكثافاتها وانقطاعاتها ومفاوضاتها لأكثر من أربعة شهور إلى الآن، وليس لأربعة أيام فقط، وعده بها "نتنياهو"، ولم يدرك أبدًا مغزى الحشود المليونية فى شوارع وميادين إيران طوال شهور، التي عكست تمتع النظام بقاعدة تأييد شعبي واسعة، ووصلت إلى ذروتها فى توديع جثمان "خامنئي"، الذي قاد نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية لنحو الأربعين سنة، وصار فى مكانة "الأب" للأمة الإيرانية المعاصرة، وخصوصًا أنه رحل شهيدًا. 

وأمثال "ترامب" لا يعرفون قداسة الاستشهاد فى ثقافة الإيرانيين، وفى المذهب الإسلامي الشيعي على نحو خاص، حيث يجتمع الحزن والرغبة فى الثأر معًا، وهو ما يفسر نوبات البكاء واللطم فى حشود التوديع المليونية، مع رفع رايات "الإمام الحسين" الحمراء، ورفعها لا يعنى بالضرورة رغبة فى اغتيال شخصي لقتلة من نوع "ترامب" و"نتنياهو"، بل يعنى تصميمًا على مواصلة الصمود المذهل الذي أبداه الإيرانيون، وكسروا به شوكة الحرب "الإسرائيلية" المفروضة بجيوش أمريكية على وجود أمة ذات ميراث حضاري عريق.

وقد كان "على خامنئي" أكثر من مجرد رمز ديني، أو حتى "الولي الفقيه" فى مركز عقيدة النظام الإيراني الحاكم بعد ثورة الإمام "الخميني"، صحيح أن "خامنئي" التحق بركب "الخميني" قبل الثورة عام 1979، لكن "خامنئي" بدا كأنه من طينة وعى أوسع نطاقًا، ليس فقط لأنه يجيد "اللغة العربية" كأهلها إلى جوار "الفارسية"، بل لأن إجادته الفائقة للغة العربية وعلوم القرآن جعلته يرى إيران جزءًا من حركة أوسع فى المنطقة وأشواقها للنهوض والاستقلال، وإنهاء هيمنة المستعمرين المستكبرين.

وفى مذكراته المنشورة باللغة العربية تحت عنوان "إن مع الصبر نصرًا"، يروى "خامنئي" سير اعتقاله لست مرات على يد جهاز "السافاك" الرهيب زمن الشاه، ويتحدث عن ولعه بالشعر العربي، قديمة وحديثه، خاصة شعر العراقي الكبير "محمد مهدى الجواهري"، رغم أن "الجواهري" كان أقرب فى سيرته إلى اليسار، وهو ما لم يكن غريبًا تمامًا عن سيرة طالب العلم الديني "الحوزوي" الشاب "على خامنئي"، الذي لم يخفِ اقترابه من عمل حزب "توده" الشيوعي الإيراني.

وفى واحدة من نوبات اعتقاله، يروى "خامنئي" أن حارس زنزانته قال له ولرفاقه المعتقلين ذات صباح: "أبشروا، فقد مات جمال عبد الناصر"، وكان "عبد الناصر" ونظامه فى حالة عداء متصل متفاقم مع نظام الشاه الإيراني، وقطع العلاقات معه بعد اعتراف الشاه بكيان الاحتلال "الإسرائيلي" رسميًا أوائل ستينيات القرن العشرين، وقام نظام "عبد الناصر" ومخابراته بتدريب وتسليح حركات إيرانية معارضة لنظام الشاه.

وحين وصل خبر رحيل "عبد الناصر" إلى "خامنئي" فى سجنه، راح "خامنئي" ـ كما تورد مذكراته ـ فى نوبة بكاء حار، فقد كان ما يجمعه بـ "عبد الناصر" أكبر من اختلاف المنطلقات الأيديولوجية؛ إذ كان أمل الاستقلال والتحرر من الهيمنة الأمريكية على مصائر المنطقة، ولم تسترح نفس "خامنئي" فى سجنه قليلًا إلا حين راح يدير مؤشر الراديو، ويستمع فى خشوع إلى تلاوات القرآن الكريم من إذاعة "صوت العرب" من القاهرة، بأصوات أشهر القراء المصريين، زعماء "دولة التلاوة" فى كل العالم الإسلامي.

وفى سيرة صعوده إلى مكانة القائد والمرشد الأعلى لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، جمع "خامنئي" بسلاسة بين موقعه الديني، والشعور الجارف المعتز بالقومية الإيرانية، وكان ذلك من عوامل نجاحه فى ترسيخ نظام الدولة الإيرانية بعد سنوات من ثورة "الخميني"، لم يكن ذهن الرجل مغلقًا على تفكير جامد، وأبدع فى صياغة مؤسسات جعلت النظام الإيراني فريدًا فى تركيبه، وأدار التفاعل بين التيارات المحافظة والإصلاحية المجددة، وجمع بين صلابة التماسك ومرونة الانفتاح العقلي، وحرص على بناء القوة العسكرية الذاتية وإطلاق طاقات التطور العلمي والصناعي، ويمكن اعتبار اسمه ودوره مرادفًا لقصة إيران المعاصرة العفية، وهو ما يفسر تنامى شعبيته، التي نافست شعبية "الخميني" نفسه.

المليونية الأسطورية

وإذا كانت جنازة "الخميني" المليونية شاهدًا على دوره الثوري، وذكَّرت جماهير التحرر فى المنطقة بجنازة "جمال عبد الناصر" المليونية الأسطورية، التي شارك فيها نحو سبعة ملايين فى مصر ذات الثلاثين مليونًا وقتها، وشاركت فيها أعداد أكبر فى أقطار عربية أخرى، وكان نشيج الناس فيها ونشيدهم كلمة الحق على ألسنة الخلق، فقد تكررت الظاهرة ذاتها فى جنازة "الخميني"، ثم ها هي تُستعاد الآن فى توديع جثمان "على خامنئي"، الذى وعى مبكرًا أولوية هدف الاستقلال وأحلام النهوض القومي، التي يعبر الناس عن جوعهم الفطري إليها فى منطقتنا المنكوبة منذ زمن طويل، ويحتفون، رغم الألم، بأعلام النهوض والمقاومة، وبزعماء تركوا سيرًا لا تُمحى، مهما كانت ضراوة الحملات المعادية، ومهما كانت سيوف الأعداء سالكة فى الرقاب.

وليس من باب المصادفات العبثية أن تأتى بوادر الحرب الأمريكية الجديدة فى ذات توقيت توديع السيد "على خامنئي"، فالعدو الأمريكي "الإسرائيلي" يريد الانتقام من ملايين الوداع، ومن الشعب الإيراني الصامد حتى فى الجنازات، فلولا الموقف الفطري الصامد النبيل للناس العاديين، ما كانت المقاومة لتثبت فى ميادين الصدام بالنار، وما كانت القوة الإيرانية قادرة على مواصلة الصمود المذهل، والاستعصاء على الانكسار، وإثبات عجز العدو عن الانتصار وتحقيق أهدافه.

تم نسخ الرابط