من مستحقات بمليوني جنيه لـ922 ألفًا
مقاولة صرف صحى بسوهاج تشعل صراعاً قضائياً بين "حسن علام"وجمعية أبو تيج"
صراع قضائى بين شركة "حسن علام" وجمعية أبو تيج بمطالبة مالية لم يتم تسويتها بالطرق الودية فإنتهى الامر للجوء الى المحكمة، العلاقة بين الطرفيين بدأت بعقد مقاولة لتنفيذ شبكات الصرف الصحي بقرية البطاخ في سوهاج، حيث دخلت الجمعية التعاونية الإنتاجية للإنشاء والتعمير بأبو تيج المشروع وهي تنتظر تحصيل قيمة الأعمال التي ستنفذها، بينما كانت شركة النصر العامة للمقاولات “حسن علام” تنتظر إنجاز المشروع وفق الشروط المتفق عليها. لكن ما جرى على أرض الواقع فتح بابًا لخلاف امتد سنوات، وتبدلت خلاله الأدوار؛ فالجمعية التي ذهبت إلى القضاء مطالبة بمستحقات قالت إنها حُجبت عنها، وجدت نفسها في نهاية المطاف مطالبة بسداد مئات الآلاف من الجنيهات للشركة.

في 26 يونيو 2019، أبرم الطرفان شركة “حسن علام” وجمعية أبو تيج عقد مقاولة من الباطن لتنفيذ أعمال شبكات الصرف الصحي بقرية البطاخ. وتقول الجمعية إن التنفيذ بدأ بالفعل، وإنها أنجزت معظم الأعمال وفق المواصفات، لكن الشركة أوقفت صرف مستحقاتها وخصمت مبالغ تحت بنود الضرائب والدمغات والأرباح التجارية والرسوم، رغم تمسك الجمعية بأنها تتمتع بإعفاءات قانونية.

ولم يقف الخلاف عند الحسابات؛ إذ اتهمت وجمعية أبو تيج شركة “حسن علام”، بإسناد الأعمال المتبقية إلى مقاول آخر دون الرجوع إليها، ورأت أن ما حدث حرمها من تحصيل حقوق مالية عن المشروع. وبعد إنذار وجهته إلى الشركة في مارس 2022 دون أن تصل، بحسب روايتها، إلى تسوية، قررت نقل النزاع إلى القضاء.

قدرت الجمعية ما تطالب به بنحو مليونين و222 ألف جنيه، وطلبت ندب خبير لتحديد قيمة الأعمال المنفذة، ومراجعة الخصومات المتعلقة بالضرائب والدمغات، وفحص ضمان الأعمال والمستخلصات المالية، ثم إلزام شركة “حسن علام” بأداء ما تسفر عنه الخبرة من مستحقات.

خلاف المال والأعمال
كان من المفترض أن تنتهي الخبرة إلى كشف الحساب بين الطرفين، لكن المهمة لم تكن سهلة، فالتقرير الأول أشار إلى نقص المستندات اللازمة لتحديد قيمة الأعمال المنفذة والمبالغ المستحقة بدقة، كما أشار إلى أن شركة “حسن علام” سحبت الأعمال المتبقية وأسندتها إلى مقاول آخر.

وفي أثناء نظر الدعوى، قدمت شركة “حسن علام” موقفًا ماليًا قالت فيه إن الجمعية مدينة لها بمبلغ مليون و761 ألفًا و479 جنيهًا، ولم تكتفِ بالدفاع عن نفسها أمام مطالبة الجمعية، بل تقدمت بطلب عارض طالبت فيه بإلزامها بسداد هذا المبلغ والفوائد القانونية.

هنا تغير اتجاه القضية. لم يعد السؤال مقتصرًا على ما إذا كانت الشركة قد خصمت من مستحقات الجمعية مبالغ دون وجه حق، بل أصبح من الضروري معرفة الطرف الذي أخل بالتزاماته، وما إذا كانت قيمة الأعمال المنفذة تكفي لتغطية الالتزامات المالية المتبادلة.

أعادت المحكمة الدعوى إلى مكتب خبراء وزارة العدل، وألزمت الشركة بتقديم المستخلصات المالية الخاصة بالمشروع، حتى يتمكن الخبير من فحص الحسابات على أساس المستندات المتاحة.
في تقريره اللاحق، انتهى الخبير إلى أن الجمعية تأخرت في تنفيذ الأعمال ولم تستكمل كامل ما أُسند إليها، وأن الشركة سحبت الأعمال المتبقية وأعادت إسنادها إلى مقاولين آخرين، مع تحميل الجمعية تبعات ذلك وفقًا لما انتهى إليه فحص الحسابات.
وتناول التقرير أيضًا مصير التأمين النهائي للمشروع؛ إذ تبين أن الجمعية طلبت تقسيط خصمه على ثلاث دفعات، لكنها لم تقدم الضمانات اللازمة، فقررت الشركة مصادرته. وبعد تصفية الحساب بين الطرفين، خلص الخبير إلى أن الجمعية مدينة للشركة بمبلغ 922 ألفًا و41 جنيهًا.
كانت تلك النتيجة نقطة التحول الأساسية؛ فبدلًا من أن تحصل الجمعية على المبلغ الذي طالبت به، انتهى الفحص المحاسبي إلى مديونية عليها لصالح الشركة. واعتمدت محكمة أول درجة هذه النتيجة، بعدما اطمأنت إلى تقرير الخبير وما تضمنه من أسباب وأسانيد.
حاولت الجمعية الدفاع عن موقفها بالاستناد إلى خطابات صادرة من جهات مختصة تتعلق بإعفاءات ضريبية مقررة للجمعيات التعاونية، وتمسكت بأن خصم الضرائب والدمغات من مستحقاتها لا يتفق مع تلك الإعفاءات.
لكن المحكمة فرقت بين الإعفاءات التي قد تتمتع بها الجمعية بموجب القانون، وبين الالتزامات التي وافقت عليها في عقد المقاولة نفسه. فقد تبين لها أن الجمعية أقرت في البندين الثاني عشر والثالث عشر من العقد بمسؤوليتها عن الضرائب المستحقة على الأعمال وقيمة الدمغات، كما تضمنت الشروط الخاصة بالمشروع التزامها بالضرائب وضريبة القيمة المضافة والرسوم الحكومية.
وبذلك، لم ترَ المحكمة أن الخطابات المقدمة تكفي لنقض ما انتهى إليه الخبير، أو لإثبات أحقية الجمعية في المبالغ التي طالبت باستردادها. ولم يكن الخلاف، في نظرها، محسومًا بمجرد وجود إعفاءات عامة، وإنما بما يثبته العقد والمستندات من التزامات مرتبطة بالمشروع محل النزاع.
في 26 يوليو 2025، رفضت محكمة شمال القاهرة الابتدائية دعوى الجمعية، وألزمتها بسداد 922 ألفًا و41 جنيهًا لشركة النصر العامة للمقاولات «حسن علام»، إلى جانب فوائد تجارية بواقع 5% سنويًا من تاريخ الحكم وحتى تمام السداد.
لم تتقبل الجمعية النتيجة، فاستأنفت الحكم، مطالبة بإلغائه فيما قضى به في دعواها الأصلية، ورفض الطلب العارض المقدم من الشركة. واستندت في طعنها إلى ما اعتبرته خطأ في تطبيق القانون وقصورًا في التسبيب وعدم الرد على مستندات الإعفاء الضريبي.
لكن محكمة استئناف القاهرة لم تجد في أسباب الاستئناف ما يغير النتيجة. ففي حكمها الصادر في 23 أغسطس 2026، رفضت الاستئناف موضوعًا وأيدت الحكم السابق، بعدما اطمأنت إلى تقرير الخبير، ورأت أن النتيجة التي انتهى إليها لها أصل ثابت في الأوراق، وأن ما قدمته الجمعية بشأن الإعفاءات لا ينفي التزاماتها التعاقدية.
وألزمت المحكمة الجمعية بمصروفات الاستئناف، ومبلغ 200 جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
هكذا انتهت رحلة قضائية بدأت بمطالبة الجمعية بمستحقات قدرتها بأكثر من مليوني جنيه، وانتهت بحكم يؤكد مديونيتها لشركة «حسن علام» بمبلغ 922 ألفًا و41 جنيهًا، فضلًا عن الفوائد المحكوم بها.
