حول مصر تحدٍّ يتجاوز حدود المواقع الأثرية والمتاحف. فالروايات والصور ومقاطع الفيديو التي تنتشر كل يوم عبر المنصات الرقمية تعيد تشكيل معرفة ملايين البشر بتاريخ مصر وحضارتها، بينما لا ننتبه دائمًا إلى ما تحمله هذه المواد من حقائق أو تصورات أو معلومات مضللة.
لم يعد المصري القديم حبيس جدران المعابد وقاعات المتاحف. أصبح حاضرًا في الألعاب الإلكترونية والأفلام ومقاطع التواصل الاجتماعي والصور التي ينتجها الذكاء الاصطناعي خلال ثوانٍ. وقد تبدو الصورة المصطنعة شديدة الإقناع إلى درجة تجعل المشاهد يتعامل معها باعتبارها وثيقة تاريخية، لا مجرد تخيل فني.
هنا تتغير طبيعة التحدي. فالحفاظ على الأثر في مكانه ضرورة لا جدال فيها، لكن ماذا عن صورته في ذاكرة العالم؟ وماذا لو ظل الأثر قائمًا، بينما أصبحت الرواية المتداولة عنه بعيدة عن المعرفة التاريخية الموثقة؟
التاريخ والتفسيرات المتنازع عليها
الأفروسنتريكية اتجاه فكري يضع التجربة الأفريقية في مركز دراسة التاريخ والثقافة. ولا يعني الاهتمام بالتاريخ الأفريقي أو مراجعة الروايات التقليدية تبني معلومات مضللة، لكن الإشكال يبدأ عندما تُطرح تفسيرات متنازع عليها باعتبارها حقائق نهائية دون أدلة كافية.
ولا يمكن اختزال تاريخ مصر في لون البشرة أو تصنيفات عرقية حديثة. فقد كانت البلاد نقطة اتصال بين أفريقيا وآسيا وحوض البحر المتوسط، وشهدت تفاعلات سكانية وثقافية متعددة.
وتساعد الدراسات الوراثية على فهم هذا التاريخ، لكنها لا تحسم منفردة جميع أسئلة الأصول والهوية؛ فنتائج دراسة فرد واحد لا تمثل مجتمعًا كاملًا. لذلك، لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى تبادل للاتهامات، بل إلى منافسة علمية تقوم على الأدلة الموثقة، وإتاحة الدراسات المصرية بلغات متعددة، وتقديم المعرفة بأسلوب يصل إلى الجمهور العالمي.
المعركة الجديدة تدور على المنصات
قد تبدأ رحلة السائح قبل وصوله إلى الموقع الأثري بشهور، عبر محركات البحث والمنصات الاجتماعية وأدوات الذكاء الاصطناعي. وما يراه خلالها قد يؤثر في فهمه للحضارة المصرية، والأماكن التي يختار زيارتها، والتجارب التي يبحث عنها.
وقد بدأت مصر خطوات في مجال رقمنة التراث، والمطلوب هو توسيع أثر هذه الجهود وربط الأصول الرقمية المتاحة بالتعليم والإعلام وصناعة المحتوى والسياحة، بحيث تصل المعرفة إلى الجمهور بدل أن تظل حبيسة قواعد البيانات.
أقترح مسارًا متدرجًا يمتد خمس سنوات، يبدأ بتنظيم المحتوى الرقمي المتاح لدى الجهات المعنية في قاعدة مشتركة تتيح الوصول إلى الصور والمراجع والخرائط والنماذج الرقمية، مع توضيح مصادرها وحقوق استخدامها.
ويتضمن المسار إنشاء مرصد متخصص يُلحق بجهة قائمة، ويضم خبراء في الآثار والتاريخ والإعلام والتكنولوجيا، لمتابعة المعلومات واسعة الانتشار ونشر تصحيحات موثقة بلغات متعددة. وينبغي أن يميز المرصد بين الخطأ العلمي والاختلاف البحثي المشروع والتضليل المتعمد.
كما أقترح نظامًا يوضح طبيعة المواد البصرية، ويميز بين الصورة الأصلية للأثر وإعادة البناء العلمي والتصور الفني والصورة المولدة بالذكاء الاصطناعي، لمساعدة الجمهور على التحقق من مصدر الصورة.
لكن القيمة الحقيقية تبدأ بتحويل هذه الأصول إلى منتجات قابلة للاستخدام، مثل الأفلام القصيرة والخرائط التفاعلية والألعاب التعليمية وتجارب الواقع الافتراضي، بالتعاون مع الجامعات وشركات التكنولوجيا وصناع المحتوى. ويمكن لهذه المنظومة دعم الصناعات الإبداعية المصرية، وفتح فرص للعمل في البرمجة والتصميم والإنتاج الإعلامي، ومساعدة شركات السياحة والفنادق على تطوير تجارب تربط المواقع الأثرية بالمطبخ المحلي والحرف والموسيقى والقصص المرتبطة بالمكان. وتُراجع هذه المنتجات علميًا قبل إتاحتها للجمهور.
حماية رقمية
تحتاج هذه الجهود إلى مراجعة مدى كفاية الأطر القانونية القائمة فيما يتعلق بحقوق استخدام الصور والنماذج ثلاثية الأبعاد والأرشيفات الرقمية، مع التمييز بين الاستخدام البحثي والتعليمي والتجاري.
كما ينبغي بحث سبل التعامل مع المواد المصطنعة التي تُقدَّم عمدًا باعتبارها وثائق تاريخية أصلية، دون الخلط بينها وبين الأعمال الفنية المشروعة أو تقييد حرية البحث والإبداع.
وتقدم منصة «Japan Search» اليابانية مثالًا على ربط مجموعات رقمية من مؤسسات ثقافية متعددة. ويمكن الاستفادة من هذا المبدأ بدل إنشاء منصات منفصلة لا تتكامل فيما بينها.
الرهان على المستقبل
لا تستطيع مصر التحكم في كل ما يُنشر عنها، ولا ينبغي أن يكون هدفها إسكات كل رواية مختلفة. لكنها تستطيع جعل المعرفة الموثقة أكثر إتاحة، ومنح الباحثين وصناع المحتوى والجمهور أدوات لفهم تاريخها.
إن التحدي ليس فقط الدفاع عن الحضارة المصرية عندما تُطرح بشأنها ادعاءات متنازع عليها، بل امتلاك القدرة على تقديمها للعالم بلغته وأدواته، وتحويل التراث من رصيد تاريخي محفوظ إلى مصدر متجدد للمعرفة والإبداع والقيمة السياحية والاقتصادية.
فحماية التراث في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد تعني حراسة الحجر وحده، بل حماية المعرفة التي تفسر معناه، وإيصال حكايته إلى العالم.




