التكنولوجيا vs الفن القديم
«AI» شوه صورة شادية.. من بوستر «القاهرة السينمائي» للهولوجرام واستنساخ صوت أم كلثوم
فجر الملصق الدعائي لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ 47، حالة واسعة من الجدل، بسبب البوستر الذي ركزت فكرته على استحضار صورة الفنانة شادية بشخصيتها التاريخية "فؤادة" من فيلم "شيء من الخوف"، ولكن الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي AI لمعالجة الصورة وتغيير ملامحها، أثار موجة غضب عارمة بين الجمهور ونقاد السينما، بل وعائلة الفنانة الراحلة.
"إذا كان جواز عتريس من فؤادة باطل.. فطلاق الذكاء الاصطناعي من فؤادة واجب!"، عبارة تداولها رواد مواقع التواصل للتعبير عن رفضهم لتشويه ملامح النجمة الراحلة عبر الفلاتر الرقمية، في الملصق الدعائي لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي.
وانتقدت الناقدة الفنية ماجدة خير الله التصميم، لكونه يفتقر إلى روح وجمال الفنانة الأصلية ويسلب الصورة أصالتها، فيما قال الفنان حسين فهمي، رئيس المهرجان إن الهدف كان ربط ماضي السينما بمستقبلها عبر فكرة بصرية تجمع بين الذاكرة والتجدد، قبل أن تعلن مصادر داخل المهرجان عن الاستجابة للنقد وإجراء تعديلات على التصميم لإعادة الملامح الطبيعية للنجمة الراحلة.
ومن جانبها، انتقدت ناهد شاكر، ابنة شقيق الفنانة شادية، بوستر مهرجان القاهرة السينمائي، وقالت إنها لم تستطع التعرف على ملامح عمتها، رغم أنها عاشت معها سنوات طويلة، وأن بعض الأشخاص أرسلوا إليها الصورة قبل أن تعرف أنها تجسد شادية، لافتة إلى أن خبرتها في الرسم ساعدتها على ملاحظة الاختلاف بين ملامحها والصورة المستخدمة، وأكدت أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه أن يحل محل الإبداع البشري.
ولكم تكن أزمة بوستر مهرجان القاهرة السينمائي الأولى من نوعها حول اصطدام التكنولوجيا الحديثة مع رموز الفن التقليدي وأصالة التراث.
تلوين أفلام الأبيض والأسود
وكانت أول واقعة للتصادم بين التكنولوجيا الحديثة والفن القديم، عندما اتجهت شركات الإنتاج والتلفزيون إلى تحويل الكلاسيكيات السينمائية مثل فيلم غزل البنات ورصيف نمرة 5 من الأبيض والأسود إلى الألوان باستخدام برامج المعالجة الرقمية.
ووقتها قوبل المشروع برفض شديد من المخرجين والمؤرخين، مؤكدين أن التلوين يلغي فلسفة "الإضاءة والظلال" التي بنى عليها مديرو التصوير من الرعيل الأول رؤيتهم الفنية، واعتُبر محواً للهوية البصرية للعمل الأصلي.
استنساخ صوت أم كلثوم
وكانت الواقعة الثانية في عام 2023، مع محاولة استنساخ صوت كوكب الشرق أم كلثوم بالذكاء الاصطناعي، والتي كانت بعد إعلان الملحن عمرو مصطفى عن اتجاهه لإنتاج مقاطع غنائية جديدة بصوت سيدة الغناء العربي باستخدام تقنيات توليد الصوت الرقمي دون الحصول على إذن من ورثتها.
وأثارت الأزمة وقتها جدلا قانونيا وفنيا، حيث هددت أسرة أم كلثوم باللجوء للقضاء لحماية حقوق الملكية الفكرية، وصرح الملحن حلمي بكر وقتها بأن "الذكاء الاصطناعي بلا روح ولا يمكنه نقل الإحساس البشري الفريد للعمالقة".
الهولوجرام
وكانت أم كلثوم، ومعها عبد الحليم حافظ، بطلة لواقعة ثالثة حاولت فيها التكنولوجيا الحديثة فرض سطوتها على الفن القديم، من خلال إدخال "الهولوجرام" على الحفلات التراثية في السعودية ودبي
ولجأت بعض دور العرض وشركات الانتاج في الرياض ودبي، إلى تقنية العرض التجسيمي Hologram لإحياء حفلات غنائية كاملة لكوكب الشرق أم كلثوم والعندليب عبد الحليم حافظ، ُمن خلال عرض طيف ضوئي متحرك للفنان الراحل على المسرح بينما تُعزف الفرقة الحية موسيقاها في الخلفية.
وتسبب تجسيد الفنانين الراحلين بالهولوجرام في حالة من الانقسام، بين فريق مؤيد اعتبرها فرصة للأجيال الجديدة لتعيش تجربة قريبة من الحفلات الحية الكلاسيكية، وفريق معارض وصف التجربة بالأشباح الفنية، بالاستثمار التجاري البحت الذي يفرغ الفن من قيمته الروحية، مشيرين إلى أن غياب الحضور البشري الحقيقي وحالة التفاعل الوجداني بين الفنان وجمهوره تفقد الحفلة سحرها الأصيل وتتحول إلى عرض تكنولوجي بارد.
وعالميا، تدخلت التكنولوجيا الحديثة لمحاولة استكمال الأعمال الفنية والموسيقية غير المكتملة، من خلال تحليل خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل أسلوب ملحنين كلاسيكيين راحلين مثل محاولة إكمال المقطوعة رقم 10 لبتهوفن عام 2021 بواسطة حواسيب تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي.
وواجهت هذه الخطوة انتقادات لاذعة من المؤرخين الموسيقيين، والذين قالوا إن الآلة مهما بلغت دقتها تعتمد على "التوقع الإحصائي" للأنماط، بينما الإبداع البشري القديم كان ينبع من سياق نفسي واجتماعي وتاريخي خاص لا تستطيع الخوارزميات تذوقه أو إعادة إنتاجه بصدق، ما يعتبر في نظر النقاد تشويها لتراث المبدع وتدخلا غير مبرر في إرثه.
ومن بين الحالات الإيجابية للتدخل التكنولوجيي، كانت أغنية "Now and Then" لفرقة البيتلز، ففي نوفمبر 2023 استخدم فريدريك جاكسون ومصممو الصوت تقنيات الذكاء الاصطناعي لفصل صوت "جون لينون" المنخفض والجودة الضعيفة من شريط كاسيت قديم سجل عام 1977، لإكمال آخر أغنية تجمع أعضاء الفريق الأربعة.
وعلى العكس من الوقائع السابقة، حظيت هذه التجربة بإشادة عالمية؛ لأن التكنولوجيا لم "تخترع" صوتا مزيفا او تستنسخه، بل قامت بعملية تنقية وتنقيب (Restoration) لحماية الأداء البشري الأصلي.








