أزمة الساعات الأخيرة تحت القبة
مأزق «سلق» القوانين.. التعديلات تربك البرلمان وسط مطالب بضبط الصياغة وتفعيل «الأثر التشريعي»
تمثل إعادة القوانين من رئيس الجمهورية إلى مجلس النواب إحدى أهم الضمانات الدستورية لتحقيق التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في مصر، والهدف منها هو تجنب العوار الدستوري وضمان تلبية القوانين للمصلحة العامة قبل صياغتها في صورتها النهائية.
وعلى الرغم من ندرة استخدام هذا الحق الدستوري المقر بـ المادة 123 من الدستور، إلا أن الساحة التشريعية شهدت حالات بارزة حركت المياه الراكدة؛ كان أبرزها قانون البحوث الطبية الإكلينيكية «التجارب السريرية» عام 2018 الذي أُعيد لضبط نصوصه وحماية المتطوعين، وقانون الإجراءات الجنائية الجديد في سبتمبر 2025 استجابة للمطالب الحقوقية بتعزيز حماية الحبس الاحتياطي وضمانات المحاكمة المنصفة، وقانون التصالح فى مخالفات البناء، وقانون الشهر العقاري والاستثمار وصولاً إلى قانون إنشاء جامعة «كيان» بالقوات المسلحة في أكتوبر 2026، والذي تم رده لتعديل مادة تمنح ميزات مالية استثنائية، وذلك ترسيخاً لمبدأ العدالة والمساواة الدستورية بين المواطنين.
ويعتبر تكرار تعديل القوانين أو إعادتها إلى مجلس النواب بعد صدورها مؤشراً على أزمة تشريعية صامتة داخل أروقة البرلمان، حيث تعكس هذه الظاهرة غياب «الأثر التشريعي» وضعف الدراسة الاستباقية للنصوص قبل التصويت عليها.
ويؤدي توالي التعديلات إلى وضع البرلمان في حالة ارتباك مستمرة، حيث يضطر إلى استهلاك وقته وجلساته في معالجة ثغرات صياغية أو دستورية لقوانين حديثة الصدور، بدلاً من التركيز على تشريعات جديدة تهم المواطن.
كما أن هذا التكرار يضر بالاستقرار القانوني ويبث حالة من عدم اليقين لدى الرأي العام والمستثمرين، ويُظهر اللجان البرلمانية وكأنها استعجلت تمرير نصوص لم تنضج حواراتها المجتمعية، مما يحوّل العملية التشريعية من أداة للاستقرار إلى مصدر للموجات الاحتجاجية والطعون الدستورية.
وأما هذه الظاهرة، قدم النائب محمد فريد، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة موجه إلى رئيس الوزراء ووزيري العدل وشئون المجالس النيابية، بشأن غياب تفعيل نظام تقييم الأثر التشريعي المسبق، وما يترتب عليه من تكرار تعديل القوانين وإرجاء مواعيد نفاذها بسبب عدم اكتمال الاستعدادات اللازمة لتنفيذها.
نظام تقييم الأثر التشريعي
وأكد أن عدم إجراء تقييم مسبق لتكلفة التشريعات وآثارها العملية يؤدي إلى اكتشاف أوجه القصور بعد إلزام المواطنين بها، مشيرًا إلى تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية قبل موعد نفاذه بيوم واحد، وذلك بعد نحو 11 شهرًا من صدوره، بسبب عدم اكتمال الاستعدادات اللازمة للتنفيذ.
وأشار عضو مجلس النواب، إلى أن هذه الواقعة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق تأجيل تعديل قانون الشهر العقاري، كما تكررت التعديلات على قوانين التصالح في مخالفات البناء والاستثمار، معتبرًا أن تضارب النصوص التشريعية وتغييرها المتكرر، إلى جانب الفجوات والمعوقات التنفيذية، يضعف اليقين القانوني ويعطل مصالح المواطنين، ويزيد صعوبة الامتثال للقوانين وإنفاذها.
وأوضح أن تقييم الأثر التشريعي يُعد إجراءً تتبعه حكومات العديد من الدول قبل إقرار التشريعات والقرارات التنظيمية، ويعتمد على منهجيات علمية لدراسة البدائل المتاحة وتكاليفها، واختيار الحلول الأكثر ملاءمة وأقل عبئًا على المواطنين، فضلًا عن مراجعة دقة النصوص واتساقها مع التشريعات القائمة ومدى جاهزية الجهات المعنية لتنفيذها.
ولفت إلى أن قرارًا جمهوريًا صادرًا عام 2017 كلف اللجنة العليا للإصلاح التشريعي بإنشاء نظام لتقييم الأثر التشريعي، إلا أن هذا التكليف لم يفعل رغم مرور أكثر من تسع سنوات على صدوره.
وتتضمن المقترحات التي طرحها النائب تفعيل هذا التكليف من خلال اللجنة القائمة وإعادة تنظيم آليات عملها، بحيث تتولى الجهة المقترحة للتشريع أو القرار إعداد دراسة لتقييم أثره، على أن تتولى اللجنة مراجعتها بالاستعانة بخبرات اقتصادية ومالية وإحصائية، إلى جانب الخبرات القانونية، مع إشراك الأطراف المعنية من القطاع الخاص والمجتمع المدني والاتحادات والنقابات.
كما اقترح إرفاق دراسات تقييم الأثر التشريعي بمشروعات القوانين عند إحالتها إلى البرلمان، بما يتيح للنواب مناقشة المقترحات الحكومية استنادًا إلى البيانات والأدلة، والمفاضلة بين البدائل المختلفة وفقًا لتكاليفها ونتائجها المتوقعة.
وشدد على أن الهدف من تفعيل تقييم الأثر التشريعي هو ضمان أن تسهم القوانين والسياسات العامة في حل المشكلات وتحسين حياة المواطنين وتيسير مصالحهم، بدلًا من زيادة الأعباء الناتجة عن تضخم التشريعات وتعقيدها.
واختتم النائب بالتأكيد على ضرورة أن تبرر الحكومة الحاجة إلى أي تشريع جديد، وتوضح تكلفته وآثاره المتوقعة، وتضمن الاستعداد لتنفيذه قبل إلزام المواطنين به، مشيرًا إلى أن اكتشاف عيوب القوانين بعد تطبيقها، ثم تعديلها لاحقًا، لا ينبغي أن يكون بديلًا عن التقييم المسبق والتخطيط الجيد.








