الودائع بلغت 400 مليون جنيه
اقتصاد الحرب قبل أكتوبر 1973.. كيف موّل المصريون المعركة بـ «سندات الجهاد»؟
لم يكن نصر السادس من أكتوبر 1973 وليد الاستعداد العسكري وحده، وإنما سبقه إعداد اقتصادي واجتماعي واسع، فرضته تداعيات هزيمة 1967 وما خلفته من خسائر وضغوط على الدولة والمجتمع. وبينما كانت القوات المسلحة تستعد للمعركة، خاض المصريون في الداخل معركة أخرى عنوانها التقشف، وترشيد الاستهلاك، ودعم المجهود الحربي.
كانت مصر قد دخلت حرب أكتوبر 1973 باقتصاد يعاني آثار هزيمة 1967، التي ألحقت خسائر كبيرة بالموارد والإيرادات، ووفق تقديرات رئيس الوزراء الأسبق عزيز صدقي، بلغت الخسائر نحو 11 مليار جنيه، إلى جانب فقدان نحو 80% من المعدات العسكرية، وتراجع إيرادات قناة السويس، فضلًا عن خسائر قطاع البترول والمنشآت الصناعية.
كما أدت نكسة 1967 إلى تراجع السياحة وتضرر عدد من المنشآت الاقتصادية، وهو ما دفع الدولة إلى تبني نهج يمكن وصفه بـ«اقتصاد الحرب» خلال الفترة من 1967 حتى أكتوبر 1973.
وفي فبراير 1973، أعلنت الحكومة ما عُرفت بـ«موازنة الحرب» أو «موازنة المعركة»، بهدف توفير التمويل اللازم للقوات المسلحة، وتأجيل المشروعات التنموية طويلة الأجل، وخفض الإنفاق الحكومي، بما في ذلك اعتمادات السفر والمواصلات والأعياد والمواسم.
وفي مارس، اتسعت إجراءات التقشف، فخُفضت مخصصات المياه والإنارة والنقل بنسبة 10%، واعتمادات الأعياد والمواسم بنسبة 75%، مع مراجعة المشروعات الاستثمارية وتأجيل ما لا يرتبط بأهداف المعركة.

سندات الجهاد
انعكست الأولوية التي منحتها الدولة للاستعداد العسكري على حجم الإنفاق الدفاعي، إذ ارتفع من 481.8 مليون دولار عام 1966 إلى نحو 1.243 مليار دولار عام 1973، بزيادة تقارب 158%.
وفي الوقت نفسه، اعتمدت الدولة على أدوات مالية وادخارية لتمويل احتياجاتها، من بينها «سندات الجهاد» التي طُرحت تحت شعار «شارك في ملحمة النضال الوطني»، بفائدة سنوية 4.5% معفاة من الضرائب لمدة عشر سنوات، وبفئات تبدأ من 50 قرشًا وصولًا إلى 100 جنيه.
وبلغت حصيلة هذه السندات نحو 7 ملايين جنيه، وخصصت لدعم القوات المسلحة والأمن القومي والإنفاق الدفاعي، لتصبح واحدة من صور المشاركة الشعبية في تمويل الاستعداد للمعركة.

كما ارتفعت قيمة سندات الخزانة من 164 مليون جنيه عام 1959/1960 إلى نحو 459 مليون جنيه عام 1972، فيما وصلت الودائع المصرفية إلى نحو 400 مليون جنيه، بينها 27 مليون جنيه شهادات استثمار عائلي.
سياسة التقشف
اتبعت الدولة كذلك سياسات اقتصادية انكماشية، شملت زيادة الضرائب غير المباشرة، ورفع أسعار بعض السلع الكمالية، والحد من نمو الدخول والاستثمارات، مع تشجيع الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات للحفاظ على الاحتياطي النقدي.
وساعدت المساعدات العربية، خصوصًا من السعودية والكويت وليبيا، في دعم الاقتصاد المصري خلال سنوات ما بعد 1967، بمتوسط قدره نحو 286 مليون دولار سنويًا.
ورغم الضغوط، بدأ الاقتصاد يستعيد قدرته على النمو؛ فبعد انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1.6% عقب هزيمة 1967، سجل نموًا بلغ نحو 3.5% عام 1973.
وهكذا، لم تكن حرب أكتوبر 1973 معركة على الجبهة وحدها، بل كانت أيضًا اختبارًا لقدرة الدولة والمجتمع على تحمل التقشف وتعبئة الموارد، وبين بطاقة التموين، وخفض الإنفاق، وزيادة الإنتاج المحلي، و«سندات الجهاد»، شارك المصريون في الاستعداد لمعركة أكتوبر 1973، كلٌّ من موقعه، حتى جاء يوم السادس من أكتوبر 1973 ليُتوّج سنوات من الاستعداد العسكري والاقتصادي والشعبي.







