بعد وفاته
كريمة وشاهين والجندى .. كيف برر المشايخ زلة أحمد الزند بـ«حبس النبي»
أعادت وفاة المستشار أحمد الزند، وزير العدل الأسبق ورئيس نادي قضاة مصر السابق، إلى الأذهان الأزمة التي اندلعت في مارس 2016، عقب تصريح تلفزيوني تحدث خلاله عن قدرته على حبس أي شخص يخطئ، مستخدمًا في حديثه عبارة تضمنت النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قبل أن يستغفر ويعتذر ويؤكد أنه لم يقصد الإساءة إلى الرسول الكريم.
وأثارت العبارة التى أطلقها أحمد الزند في ذلك الوقت موجة واسعة من ردود الفعل، وانقسمت المواقف حول تفسيرها والتعامل معها، فبينما شدد الأزهر الشريف على ضرورة الحذر من التعرض لمقام النبوة حتى لو كان الأمر غير مقصود، خرج عدد من الشيوخ والدعاة بتصريحات اعتبروا فيها أن ما صدر عن الزند يمكن وضعه في إطار زلة اللسان والخطأ غير المقصود، مستندين في ذلك إلى سياق حديثه واعتذاره واستغفاره، مع التأكيد على عدم جواز الإساءة إلى مقام النبي صلى الله عليه وسلم.
كان الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، من أبرز من تناولوا تصريحات أحمد الزند من زاوية شرعية مخففة، حيث وصف العبارة بأنها «زلة لسان غير مقصودة» و«حماسة مفرطة»، معتبرًا أنها لا تستحق الضجة التي أثيرت حولها.
وأوضح كريمة أن العبارة، رغم أنها معيبة ولا ينبغي أن تصدر، تضمنت أداة الشرط «لو»، ورأى أنها لم تتضمن هجومًا مباشرًا على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مؤكدًا أن الزند لم يرتد، وداعيًا إلى الاحتكام إلى الشريعة في تقييم الواقعة.
كما رأى كريمة أن اعتذار الزند واستغفاره يجب أن يؤخذا في الاعتبار عند تقييم الواقعة، في الوقت الذي رفض فيه ما وصفه بالحملة الشديدة التي تعرض لها وزير العدل آنذاك.
ومن جانبه، تناول الشيخ خالد الجندي الواقعة من زاوية التفريق بين الخطأ اللفظي والعقيدة التي يعتنقها الإنسان، مؤكدًا أن هناك فارقًا بين سبق اللسان وبين ما يستقر في القلب من اعتقاد.
وقال الجندي إن سبق اللسان يمكن أن يقع من الإنسان، وإن الشخص قد ينطق بعبارة ثم يدرك خطأها ويسارع إلى الاستغفار، مستشهدًا بوقائع من السيرة، ومؤكدًا أن الحكم على ما في القلوب ليس للبشر.
وجاء موقف الجندي في إطار الدفاع عن عدم تحميل عبارة أحمد الزند أكثر مما تحتمل، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن الخطأ في التعبير كان واقعًا وأن الاعتذار والاستغفار لهما اعتبار في التعامل مع الواقعة.
كما دافع الشيخ مظهر شاهين، إمام مسجد عمر مكرم، عن أحمد الزند، مركزًا على مسألة التوبة والاستغفار.
وقال شاهين، في تصريحات إعلامية وقت الأزمة، إنه طالما استغفر الزند الله، فإن الاستتابة تُقبل منه، مستشهدًا بأن من يقع في خطأ ديني ثم يستغفر ويتوب تُقبل توبته، متسائلًا عن سبب المطالبة بعقوبات قاسية على الزند بعد اعتذاره واستغفاره.
كما اعتبر شاهين أن أحمد الزند ارتكب «ذلة لسان»، وأن اعتذاره كان كافيًا، منتقدًا المطالبات بإقصائه بسبب العبارة التي صدرت منه.
أما الشيخ ياسر برهامي، رئيس الدعوة السلفية، فكان موقفه أكثر تفصيلًا من الناحية الشرعية؛ إذ لم يعتبر العبارة مقبولة، لكنه في الوقت نفسه رفض القفز منها إلى اتهام الزند بالسب أو الاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وقال برهامي إن الكلام الذي صدر عن الزند «لا يجوز بلا شك»، لأنه يخالف ما أمر الله به من تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقيره، لكنه أوضح أن اعتبار الكلام سبًا أو استهزاءً بالنبي «ليس بظاهر السياق» الذي تحدث فيه الزند.
وأكد أنه استمع إلى المقطع الذي وردت فيه العبارة، ولم يظهر له منه قصد الاستهزاء أو السب، وهو ما جعله يفرق بين الحكم على العبارة من حيث عدم جوازها وبين الحكم على قائلها وقصده منها.
كما تناول الداعية الدكتور مبروك عطية الواقعة من زاوية سياق العبارة، معتبرًا أن حديث الزند كان يدور حول فرضية تطبيق القانون على الجميع، وأن استخدام النبي صلى الله عليه وسلم في المثال لم يكن مقصودًا به الإساءة.
بين «زلة اللسان» و"حرمة العبارة"؟
وفي الوقت نفسه، فإن هذه القراءة لا تعني اعتبار استخدام العبارة مناسبًا؛ إذ ظل الجدل قائمًا حول مدى ملاءمة استحضار مقام النبوة في مثل هذا السياق، وهو ما يفسر اتساع ردود الفعل وقتها.
وفي مقابل هذه المواقف التي ركزت على الخطأ غير المقصود والاعتذار والاستغفار والسياق، أصدر الأزهر الشريف بيانًا حذر فيه من التعرض لمقام النبوة، مؤكدًا ضرورة أن يحذر المتصدون للعمل العام والإعلام من التعريض بمقام النبي صلى الله عليه وسلم، صونًا للمقام النبوي من أن تلحق به إساءة حتى لو كانت غير مقصودة.
وأكد الأزهر أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم واحترامه وتوقيره ينبغي أن تمنع المسلم من الزلل في جنابه الكريم.
وبقراءة مجمل المواقف التي صدرت خلال الأزمة، يتضح أن دفاع عدد من الشيوخ عن أحمد الزند لم يكن بالضرورة معناه اعتبار العبارة صحيحة أو مقبولة؛ فبعضهم أكد صراحة أن استخدامها خطأ ولا ينبغي أن يصدر، لكنه في الوقت نفسه نظر إلى ظروف صدورها وسياق الحديث، ثم إلى اعتذار الزند واستغفاره، باعتبارها عناصر مؤثرة في تقدير الواقعة.
وبينما ركز أحمد كريمة ومظهر شاهين وخالد الجندي على زلة اللسان والاعتذار والاستغفار، ركز ياسر برهامي على التفريق بين عدم جواز العبارة وبين إثبات قصد السب أو الاستهزاء، في حين جاء موقف الأزهر مؤكدًا على ضرورة صون مقام النبوة والحذر من أي تعريض به.
وهكذا، وبعد وفاة المستشار أحمد الزند، تعود إلى الواجهة تصريحات هؤلاء الشيوخ التي صدرت قبل أكثر من 10 سنوات، لتكشف كيف تعامل الخطاب الديني وقتها مع واحدة من أكثر العبارات إثارة للجدل في مسيرة وزير العدل الأسبق، بين من وصفها بزلة لسان، ومن شدد على خطئها مع قبول الاعتذار، ومن تناولها من زاوية السياق والقصد والضوابط الشرعية.
