و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

شهد مبنى ماسبيرو خلال العامين الأخيرين خطوات واضحة نحو تسوية الديون وإعادة الهيكلة المالية والبدء في مشاريع الأرشفة الرقمية والتحول التقني. إن هذه الجهود المقدرة تمثل بلا شك قاعدة انطلاق ضرورية لإنقاذ الصرح العريق. غير أن الاشتباك الحقيقي مع تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي الراهن، وما يفرضه من "حروب إدراكية" تستهدف تفكيك المناعة الفكرية للمجتمعات، يضع مؤسسات الإعلام الرسمي أمام تحدٍ أعمق؛ فالاستثمار التقني والمالي يظل قاصراً ما لم يتأسس على نقلة نوعية في هندسة الركيزة البشرية وإعادة صياغة العقلية الإنتاجية الحاكمة لدواليب العمل فيه.
إن الهيكلة الحقيقية للكوادر الأساسية من معدين، ومخرجين، ومذيعين، ورؤساء تحرير تتجاوز بكثير الأطر الإدارية التقليدية أو التدوير الوظيفي؛ إنها عملية "إعادة تموضع استراتيجي" لكتيبة الصدارة الفكرية للدولة. ففي بيئة معلوماتية تعج بالسيولة العابرة للحدود وخوارزميات التضليل المنظم، يتحتم على صانع المحتوى الرسمي التحول الجذري من "ناقل الخبر أو منتج البرامج النمطي" إلى رتبة "المحلل الاستراتيجي وصانع السردية السيادية" القادر على استباق الأزمات وتفكيك بنية الخطاب المعادي قبل أن يجد له موطئ قدم في الوعي الجمعي.

لتحويل هذا التصور إلى واقع مؤسسي حاكم

ترتكز استراتيجية النهوض على محاور مفصلية:
1. تفكيك النسق البيروقراطي وتحرير الابتكار المؤسسي: إن الجمود الإداري يمثل المقتل الحقيقي لأي محاولة للتجديد. لذا، فإن تمكين الكوادر الإبداعية الواعية من المعدين والمخرجين يقتضي إزالة الحواجز الهيكلية، وفتح المجال أمام الرؤى الشابة لتقديم قوالب برامجية مرنة تتسق مع "اقتصاد الانتباه"؛ وهو المفهوم الذي يعبر عن حقيقة أن تكيّف عقل الإنسان ووقته أصبح هو السلعة الأغلى والأكثر تنافسية في العصر الرقمي، لأن كمية المعلومات والمنصات أصبحت ضخمة جداً، بينما طاقة الإنسان الاستيعابية ووقت تركيزه محدود للغاية. ففي الماضي، زمن التلفزيون التقليدي، كان المشاهد مجبراً تقريباً على الجلوس ومتابعة البرنامج الطويل لعدم وجود بدائل؛ أما اليوم في عصر السوشيال ميديا ومنصات مثل "تيك توك" و"يوتيوب"، فالجمهور يتعرض لملايين المنشورات والفيديوهات القصيرة في الثانية الواحدة، وأصبح انتباهه مبعثراً وصعب المنال، لدرجة أنك إن لم تجذبه خلال أول 3 ثوانٍ سيقوم بعمل "سكرول" فوراً وينتقل لغيرك. ومن هنا، لا يمكن للإعلام الرسمي كالذي نمثله في ماسبيرو أن يستمر بالقوالب الطويلة والجامدة القديمة، بل يجب أن نغير من أدواتنا لنواكب هذه السرعة ونقدم محتوى مكثفاً وذكياً يضاهي هذه المنصات، لتخاطب عقول الأجيال الجديدة بلغة رقمية رصينة ومؤثرة.

2. التحول من التلقين إلى غرف "الاستخبارات الإعلامية": يجب أن ترتقي الدورات التدريبية والبرامج المؤسسية لتصنع من فرق الإعداد ورؤساء التحرير "خلايا تفكير استراتيجي" (Think Tanks)، تعتمد على أدوات الرصد المتقدم والتحليل الدقيق للاتجاهات المجتمعية، ليكون العمل البرامجي مبنياً على استباق استراتيجي ومعلومة محصنة ضد الشائعات.
3. ترشيد الهرم المهني وفق معايير الوعي السيادي: إن كفاءة الإعلام الوطني في إدارة الأزمات الوطنية الكبرى تشترط تصدر الكوادر التي تعي بعمق أبعاد الأمن القومي، وتدرك خطورة الكلمة والصورة في صراع بقاء الدول، لتعود الشاشة الوطنية مرآة صلبة لوعي الدولة وصلابتها الاستراتيجية.
في النهاية، يظل ماسبيرو قادراً على النهوض واستعادة دوره التاريخي والريادي بالبناء على ما تحقق من تسوية للديون وإعادة هيكلة، شريطة أن ندرك أن الاستثمار السيادي الأهم يبدأ من بناء "الإنسان الإعلامي" الواعي، المدرك لطبيعة المعركة، والقادر بحرفه ورؤيته على حماية العقل الجمعي للوطن.

تم نسخ الرابط