اليمن أعقبها نكسة قاسية
خسائر عبد الناصر في الحروب.. فاتورة مغامرات الزعيم العسكرية على مصر بالأرقام
لم تكن الحروب التي ارتبطت بتجربة جمال عبد الناصر مجرد مواجهات على خرائط الجبهات، وإنما كانت اختبارات قاسية لقدرة الدولة المصرية على تحمل كلفة الدور العسكري خارج حدودها، فمن فلسطين عام 1948، مرورًا بالعدوان الثلاثي ثم بالتدخل العسكري في اليمن، وصولًا إلى نكسة يونيو 1967 وحرب الاستنزاف، تراكمت فاتورة الحرب في صورة قتلى وجرحى، ومعدات عسكرية مدمرة، وإنفاق متزايد، وفقدان موارد من النقد الأجنبي، وتعطيل قطاعات اقتصادية كاملة.
لكن قراءة هذه الفاتورة تحتاج إلى قدر من الدقة؛ فعبد الناصر لم يكن رئيسًا لمصر عام 1948، وإنما كان ضابطًا في الجيش المصري شارك في الحرب، بينما أصبحت القرارات العسكرية والسياسية الكبرى مسؤوليته بعد وصوله إلى السلطة عام 1952.
وعندما دخل الجيش المصري فلسطين في مايو 1948، كان جمال عبد الناصر أحد ضباطه، وتؤكد وثائق الأمم المتحدة أن القوات المصرية دخلت فلسطين في ذلك الشهر ضمن الحرب العربية التي اندلعت عقب انتهاء الانتداب البريطاني وإعلان قيام إسرائيل.
وشارك عبد الناصر في معارك الفالوجا، وانتهت الحرب باتفاقات الهدنة عام 1949، فيما احتفظت مصر بقطاع غزة.
لكن أهمية 1948 بالنسبة إلى عبد الناصر تجاوزت نتائج المعركة نفسها، فقد كشفت الحرب، بالنسبة إلى قطاع من ضباط الجيش، مشكلات التسليح والتجهيز والقيادة، وأصبحت تجربة فلسطين إحدى الخلفيات التي ساهمت في تشكيل وعي الضباط الذين شاركوا لاحقًا في حركة يوليو.
وتكشف وثائق أمريكية تعود إلى ما قبل دخول الجيوش العربية فلسطين عن مخاوف مصرية آنذاك من ضعف تسليح القوات المصرية وعدم كفاية تجهيزها للحرب.
وبالتالي، فإن وضع حرب 1948 مباشرة في خانة «خسائر عبد الناصر» يحمل قدرًا من عدم الدقة التاريخية؛ الأدق أنها كانت الحرب التي شارك فيها عبد الناصر كضابط وتركت أثرًا عميقًا في مشروعه السياسي والعسكري لاحقًا.

العدوان الثلاثي
لم يكن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 مجرد مواجهة عسكرية قصيرة، وإنما خلّف خسائر بشرية ومادية واقتصادية واسعة، امتدت آثارها إلى بورسعيد ومدن القناة وسيناء، فضلًا عن توقف الملاحة في قناة السويس وما ترتب عليه من تداعيات اقتصادية.
وتشير المصادر التاريخية إلى عدم وجود إحصاء مصري نهائي موحد يمكن اعتباره رقمًا قاطعًا لجميع الخسائر البشرية، إلا أن تقديرات منشورة تضع عدد القتلى المصريين من المدنيين والعسكريين عند أكثر من 2650 شخصًا، بواقع أكثر من ألف مدني ونحو 1650 عسكريًا، إلى جانب أسر حوالي 5500 مصري.
وكانت بورسعيد مسرحًا رئيسيًا للمعارك خلال الغزو البريطاني والفرنسي، حيث أظهر تحقيق بريطاني مستقل لاحق أن عدد القتلى المصريين في المدينة، من المدنيين والعسكريين، بلغ نحو 650 قتيلًا. وجاء ذلك بعد تقدير أولي بريطاني أقل بكثير تحدث عن 100 قتيل و540 جريحًا، قبل مراجعة الرقم عقب التحقيق.
ولم تقتصر الخسائر على الأرواح، إذ تعرضت القوات المصرية لخسائر في الطائرات والمعدات العسكرية، كما تضررت منشآت ووسائل نقل ومطارات وطرق وخطوط سكك حديدية، فضلًا عن الممتلكات العامة والخاصة في مناطق العمليات. وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن حجم الأضرار المادية المباشرة لم يكن قد جرى حصره بصورة نهائية آنذاك.
وكانت قناة السويس من أبرز القطاعات التي دفعت ثمن العدوان، بعدما تعطل المرور الملاحي نتيجة إغراق سفن ووحدات في المجرى الملاحي. ووفق بيانات محافظة بورسعيد، بلغ عدد الوحدات الكبيرة الغارقة 48 وحدة، منها 30 في بورسعيد و11 في الإسماعيلية و7 في السويس، إضافة إلى 15 وحدة صغيرة، فضلًا عن سفن أخرى احتُجزت في مناطق مختلفة من القناة.
وأدى إغلاق القناة إلى حرمان مصر من جزء من إيرادات رسوم العبور، كما تسبب توقف النشاط الملاحي في تعطيل أعمال أكثر من 5100 عامل من العاملين في قناة السويس، إلى جانب آلاف العاملين بصورة غير مباشرة في الخدمات والتجارة والنقل المرتبطة بحركة السفن. وقدرت الأمم المتحدة معدل خسارة الدخل من هذه المصادر بنحو 11 مليون جنيه مصري سنويًا في ذلك الوقت.

اليمن.. الحرب خارج الحدود
لكن بعد أربعة عشر عامًا، كانت مصر أمام اختبار مختلف تمامًا، ففي سبتمبر 1962 اندلعت الثورة في شمال اليمن، وسرعان ما تحولت مصر إلى الداعم الرئيسي للنظام الجمهوري في مواجهة الملكيين المدعومين من السعودية.
بدأ التدخل بقوات محدودة، لكنه تصاعد بسرعة، وتشير دراسة أكاديمية حديثة إلى أن عدد القوات المصرية وصل إلى نحو 50 ألف جندي بعد عام واحد، ثم ارتفع إلى نحو 70 ألف جندي في صيف 1965، إضافة إلى مئات المستشارين والخبراء.
وفي دراسة أخرى منشورة في British Journal of Middle Eastern Studies تقدر تكلفة التدخل المصري بما بين 70 و150 مليون دولار سنويًا، بما يعادل نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي ونحو 20% من ميزانية الدفاع المصرية وفق تقديرات الدراسة.
وتكشف وثائق أمريكية معاصرة أن التقديرات في عام 1963 كانت تشير إلى عبء مالي يزيد على 60 مليون دولار سنويًا فوق تكاليف السلم المعتادة.
أما الخسائر البشرية، فقد نشرت صحيفة «لوموند» عام 1965، نقلًا عن أرقام عرضها المشير عبد الحكيم عامر أمام مجلس الأمة في جلسة مغلقة، أن الخسائر المصرية خلال عامين ونصف بلغت 105 ضباط و1502 جندي، مع تكلفة عمليات قدرت بنحو 6 ملايين جنيه إسترليني خلال عامي 1962/1963 و1963/1964، إضافة إلى نحو 15 مليون جنيه إسترليني سنويًا للعمليات وفق التقرير المنقول.
وبغض النظر عن اختلاف التقديرات، تكشف الأرقام حقيقة واحدة: اليمن لم تعد عملية دعم سياسي محدودة، وإنما تحولت إلى حرب استنزاف طويلة للجيش والاقتصاد المصري.
كان الاقتصاد المصري في الستينيات يخوض في الوقت نفسه تجربة تصنيع واسعة، وتأميمات، وتوسعًا في دور الدولة، بينما كانت البلاد تعاني من احتياجات كبيرة للعملة الأجنبية.

ويرصد صندوق النقد الدولي أن الخطة الخمسية الأولى لمصر واجهت، إلى جانب مشكلات أخرى، تأثيرات مباشرة من «الأعمال العدائية في اليمن».
النكسة.. أكثر قسوة
في صباح 5 يونيو 1967 تعرضت المطارات المصرية لضربة جوية إسرائيلية واسعة، وتبعها انهيار سريع للقوة الجوية المصرية وقدرة القوات البرية على توفير الغطاء الجوي.
وتشير وثائق أمريكية رسمية إلى أن مصر فقدت نحو ثلثي مقاتلاتها و55 من أصل 69 قاذفة، ونحو نصف دباباتها، كما تعرض تشكيلها العسكري في سيناء لخسائر كبيرة في القوات والألوية.
وتشير دراسة أكاديمية إلى أن الخسائر البشرية المصرية تراوحت بين 10 آلاف و15 ألف قتيل، إضافة إلى نحو 5 آلاف مفقود، مع اختلاف التقديرات التاريخية. كما قدرت الخسائر المادية بنحو 85% من المعدات العسكرية المصرية في بعض التقديرات.
لكن الكارثة لم تتوقف عند الجبهة، حيث فقدت مصر سيناء، بما في ذلك حقول النفط، وأغلقت قناة السويس، وتعرضت مدن القناة لأضرار هائلة.
ويؤكد البنك الدولي أن حرب يونيو 1967 أحدثت اضطرابات خطيرة في الاقتصاد المصري؛ فقد أصبحت مدن منطقة القناة، التي كان يقطنها نحو مليون شخص، غير صالحة للسكن، ودمرت صناعات رئيسية، بينها مصافي النفط، وأغلقت قناة السويس.
كانت قناة السويس أحد أهم مصادر العملة الأجنبية لمصر، ولذلك كان إغلاقها ضربة مباشرة لميزان المدفوعات.
وتشير وثائق البنك الدولي إلى أن مصر خسرت بعد الحرب إيرادات القناة، إلى جانب عائدات نفط سيناء، واضطرت إلى الاعتماد بدرجة كبيرة على المساعدات العربية ومصادر تمويل أخرى لتلبية احتياجاتها من الواردات. وبلغ متوسط المساعدات والتحويلات العربية خلال 1967-1972 نحو 286 مليون دولار سنويًا وفق إحدى الدراسات التاريخية للبنك الدولي.

وفي وثيقة أخرى، قدر البنك الدولي إيرادات قناة السويس المفقودة عام 1967 بنحو 95 مليون جنيه مصري، إلى جانب خسارة إيرادات النفط في سيناء. كما أدى ارتفاع الإنفاق الدفاعي وتراجع الإيرادات إلى إعادة تعديل الموازنة، بينما هبط الاستثمار العام إلى أقل من نصف مستواه كنسبة من الناتج مقارنة بما كان عليه قبل سنوات قليلة.
وبقيت القناة مغلقة حتى عام 1975، لتصبح حرب 1967 بذلك حربًا استمرت آثارها الاقتصادية سنوات بعد توقف العمليات العسكرية الكبرى.
حرب الاستنزاف
من الهزيمة إلى حرب الاستنزاف لم تنتهِ القصة في يونيو 1967، فقد دخلت مصر بعدها حرب الاستنزاف، وتحولت قناة السويس إلى خط مواجهة عسكري مباشر، بينما كانت الدولة تعمل في الوقت نفسه على إعادة بناء الجيش.
ويكشف ذلك عن مفارقة قاسية: الهزيمة التي دمرت جانبًا كبيرًا من المعدات العسكرية كانت تتطلب إنفاقًا ضخمًا لإعادة بناء القوة العسكرية، في الوقت الذي كانت فيه موارد الدولة نفسها قد تراجعت بسبب الحرب.
وكانت النتيجة زيادة الضغط على الموازنة العامة، وتراجع بعض الإنفاق الاستثماري، والاعتماد المتزايد على الدعم العربي والتمويل الخارجي.
لكن الفاتورة الحقيقية لحروب عبد الناصر العسكرية كانت أبعد من أرقام القتلى، ويصعب وضع رقم واحد يمثل «خسائر حروب عبد الناصر»، لأن الفاتورة موزعة بين خسائر مباشرة وأخرى غير مباشرة.
هناك فاتورة بشرية: قتلى وجرحى ومفقودون وأسرى.
وهناك فاتورة عسكرية: طائرات ودبابات ومعدات ومنشآت دمرت خلال حرب 1967.
وهناك فاتورة اقتصادية: نفقات اليمن، وفقدان إيرادات قناة السويس ونفط سيناء، وتراجع السياحة، وتدمير منشآت صناعية، وإعادة بناء الجيش.
وهناك أخيرًا فاتورة الفرصة الضائعة؛ وهي الأصعب في القياس، لأنها تتعلق بما كان يمكن أن توجه إليه الموارد التي استهلكتها الحروب من استثمارات وتنمية وخدمات.

بين الضرورة والمغامرة
لا يمكن فصل قرارات عبد الناصر العسكرية عن سياق الحرب الباردة والصراع العربي الإسرائيلي والتنافس الإقليمي في الستينيات، كما أن اعتبار كل أزمة اقتصادية شهدتها مصر نتيجة مباشرة للحروب سيكون تبسيطًا مخلًا؛ فالاقتصاد المصري كان يواجه مشكلات هيكلية قبل نكسة 1967.
لكن الأرقام والوثائق تشير بوضوح إلى أن الحروب أضافت أعباء ضخمة إلى اقتصاد كان يعاني أصلًا من ضغوط مالية ونقدية.
فاليمن استنزف القوات والموارد لسنوات، ثم جاءت نكسة 1967 لتضاعف الفاتورة: فقدان سيناء، وإغلاق القناة، وخسارة النفط، وتدمير جانب كبير من القدرات العسكرية، ونزوح سكان مدن القناة، ثم الدخول في حرب استنزاف طويلة.








