و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

بشرط سلامة إجراءات أخذ العينة

جنايات دمنهور ترسخ مبدأً قضائيًا: نتيجة تحليل المخدرات لا تكفي للإدانة

موقع الصفحة الأولى

في حكم يكشف أهمية التحقق من سلامة الدليل قبل التعويل عليه في الإدانة في قضايا المخدرات، قضت محكمة جنايات دمنهور ببراءة متهم من اتهامه بإحراز جوهر مخدر «الحشيش» بقصد التعاطي، بعدما لم تتعامل مع نتيجة التحليل الإيجابية باعتبارها دليلًا حاسمًا بذاته، وإنما أخضعت منظومة الأدلة والإجراءات التي أحاطت بها للفحص والتمحيص. وامتد نظر المحكمة إلى مدى جدية التحريات، ومعقولية واقعة الضبط، وسلامة إجراءات الحصول على عينتي الدم والبول وفحصهما، فضلًا عن مدى صلاحية الإقرار الصادر من المتهم للاعتماد عليه، لتخلص في النهاية إلى أن الدليل الجنائي لا يستمد قوته من وجوده في الأوراق فحسب، وإنما من مشروعية مصدره وسلامة الإجراءات التي أنتجته وقدرته على إقناع محكمة الموضوع بثبوت الاتهام.

ولم تتوقف المحكمة عند مجرد وجود نتيجة تحليل إيجابية للحشيش، وإنما بحثت في الأساس الإجرائي والقانوني الذي نشأت عنه هذه النتيجة، ومدى صلاحيتها لأن تكون دليلًا يمكن التعويل عليه في الإدانة، لتخلص في النهاية إلى أن أدلة الاتهام لم تبلغ من القوة والاطمئنان الحد الذي يسمح ببناء حكم بالإدانة.

بداية القضية.. اتهام بالتعاطي وأدلة متعددة

بدأت القضية عندما أسندت النيابة العامة إلى المتهم إحراز جوهر مخدر «الحشيش» بقصد التعاطي في غير الأحوال المصرح بها قانونًا، واستندت في إثبات الاتهام إلى أقوال ضابط الواقعة، وما أسفرت عنه إجراءات الضبط، إلى جانب نتيجة تحليل عينتي الدم والبول.

وكان ضابط الواقعة قد أفاد بأن تحرياته توصلت إلى حيازة المتهم مواد مخدرة وأسلحة وذخائر دون ترخيص، فاستصدر إذنًا من النيابة العامة بضبطه وتفتيشه وتفتيش مسكنه وملحقاته.

وبحسب رواية الضابط، جرى ضبط المتهم أمام منزله في الساعات الأولى من الصباح، وعُثر بين طيات ملابسه على شريط أقراص، كما عُثر أسفل الوسادة التي كان يجلس عليها على فرد خرطوش وطلقة.

لكن الفحص الفني غيّر من صورة المضبوطات؛ إذ ثبت أن الأقراص ليست من المواد المخدرة المدرجة بالجدول، كما ثبت أن السلاح غير صالح للاستعمال.

المحكمة تبدأ من مصدر الدليل

اللافت في حيثيات الحكم أن المحكمة لم تتعامل مع الأدلة باعتبارها منفصلة عن الإجراءات التي أنتجتها، وإنما فحصت كل دليل في سياقه، ومدى سلامة الطريق الذي وصل من خلاله إلى الدعوى.

ومن هنا ركزت المحكمة على رواية الضبط ذاتها، معتبرة أن الطريقة التي صور بها ضابط الواقعة عملية الضبط تثير الشك في مدى معقوليتها، خاصة مع عدم تحديد موضع الأقراص بدقة، وانتهاء الفحص إلى أنها ليست من المواد المخدرة، فضلًا عن ثبوت عدم صلاحية السلاح المضبوط للاستعمال.

وبذلك لم تر المحكمة أن مجرد وجود إذن صادر من النيابة العامة يكفي وحده لإضفاء المشروعية على جميع الإجراءات التي اتُخذت تنفيذًا له.

«إذن النيابة» لا يعفي إجراءات التنفيذ من الرقابة

من أبرز النقاط القانونية التي تناولها الحكم تأكيده أن إذن النيابة العامة بضبط وتفتيش المتهم ومسكنه لا يمثل تفويضًا مطلقًا لمأمور الضبط القضائي.

فالإذن، بحسب ما قررته المحكمة، يمثل إجراءً لازمًا تفرضه الشرعية الإجرائية قبل اتخاذ إجراءات الضبط والتفتيش، لكنه لا يمنع محكمة الموضوع من مراجعة كيفية تنفيذه ومدى معقولية الصورة التي انتهت إليها عملية الضبط.

ومن ثم، فإن المحكمة فرقت بين مشروعية صدور الإذن من ناحية، وبين سلامة التنفيذ والوقائع التي أثبتها مأمور الضبط من ناحية أخرى.

وهذه النقطة كانت محورية في الحكم، إذ أكدت المحكمة أن الإذن لا يتحول بمجرد صدوره إلى سند يحصّن إجراءات الضبط من الرقابة القضائية.

من «التحريات» إلى «الدليل».. المحكمة تفحص النتيجة

كما ناقشت المحكمة مدى جدية التحريات التي سبقت استصدار الإذن، وربطت بينها وبين ما أسفر عنه التنفيذ الفعلي.

فإذا كانت التحريات قد تحدثت عن حيازة مواد مخدرة وسلاح وذخيرة، ثم انتهى الفحص إلى أن الأقراص ليست مخدرة وأن السلاح غير صالح للاستعمال، فإن ذلك كان من العناصر التي دفعت المحكمة إلى التشكيك في مدى جدية التحريات وصحة الصورة التي بُني عليها الإذن.

وهنا لم تعتمد المحكمة على وصف التحريات بأنها «سرية» أو على مجرد إيداعها بالأوراق، وإنما أخضعتها للتمحيص في ضوء ما أسفرت عنه إجراءات الضبط والفحص الفني.

النتيجة الإيجابية للتحليل.. هل تكفي وحدها للإدانة؟

النقطة الأكثر أهمية في الحكم ارتبطت بنتيجة تحليل عينتي الدم والبول، التي أفادت بتعاطي المتهم مادة الحشيش.

فبدلًا من اعتبار النتيجة الإيجابية حاسمة بذاتها، بحثت المحكمة أولًا في كيفية الحصول على العينة والإجراءات التي أحاطت بها.

وأشارت إلى أن الأوراق خلت من بيان الإجراءات التي اتُبعت في أخذ العينات محل الفحص، وكذلك الإجراءات الخاصة بفحصها حتى ظهور النتيجة، بما حال دون وقوف المحكمة على مدى شرعية وصحة تلك الإجراءات.

وبالتالي، فإن محل نظر المحكمة لم يكن فقط «ماذا أثبت التحليل؟»، وإنما أيضًا «كيف وصلت العينة إلى المعمل؟ وكيف جرى التعامل معها وفحصها؟».

وفي هذا السياق، أكدت المحكمة أن المتهم لا يُكلف بتقديم دليل على براءته، وأن عبء إثبات الاتهام يقع على جهة التحقيق.

وربطت المحكمة ذلك بمبدأ أوسع يتعلق بعدم إجبار المتهم على تقديم دليل ضد نفسه، معتبرة أن الاستناد إلى عينتي الدم والبول يستلزم الوقوف على الكيفية التي تم بها الحصول عليهما والإجراءات التي اتبعت في شأنهما.

كما أشارت إلى حق المتهم في الإنكار والدفاع عن نفسه، باعتباره من الضمانات المرتبطة بحق الدفاع.

انتقلت المحكمة في حيثياتها إلى نقطة قانونية أخرى، تتعلق بمفهوم الحيازة، معتبرة أن الحيازة في مفهومها القانوني تقوم على عنصر مادي يتمثل في السيطرة على الشيء، وعنصر معنوي يتمثل في نية استعماله.

ومن هذا المنطلق، رأت المحكمة أن آثار المخدر الموجودة في دم المتهم وبوله لا يمكن تصور توافر السيطرة المادية والمعنوية عليها بالمعنى الذي تقوم به الحيازة القانونية، خاصة أن المتهم لا يملك السيطرة على تلك الآثار بعد وجودها داخل جسده.

كما لم تقبل المحكمة افتراض أن المتهم كان قد حاز المخدر في وقت سابق، معتبرة أن هذا التصور يظل مجهلاً من حيث الزمان والمكان والكيفية، ولا يصلح وحده أساسًا لإقامة الاتهام.

الإقرار بالتعاطي لم يكن كافيًا

ورغم أن المتهم أقر خلال التحقيقات بأنه يتعاطى الحشيش، فإن المحكمة لم تعتبر هذا الإقرار حاسمًا في الدعوى.

وفسرت ذلك بأن الإقرار جاء، بحسب تقديرها، متصلًا بالإجراءات التي تشككت في صحتها، ورأت أنه لا يمكن فصله عنها أو اعتباره دليلًا مستقلًا قائمًا بذاته بمعزل عن الظروف التي صدر خلالها.

ومن ثم، امتد أثر الشك الذي أحاط بإجراءات أخذ العينات إلى الإقرار اللاحق، لتطرح المحكمة هذا الدليل كذلك.

وانتهت المحكمة من مجموع هذه العناصر إلى أن أدلة الاتهام لم تبلغ درجة الكفاية التي تطمئن معها إلى ثبوت الجريمة في حق المتهم، خاصة مع وجود شكوك بشأن جدية التحريات، ومعقولية تصوير واقعة الضبط، وصحة إجراءات أخذ العينات وفحصها.

وبناءً على ذلك، طبقت المحكمة المادة 304/1 من قانون الإجراءات الجنائية، وقضت حضوريًا ببراءة المتهم مما نُسب إليه.

الخلاصة القانونية للحكم

تكشف حيثيات الحكم أن المحكمة تعاملت مع القضية من منظور يتجاوز مجرد وجود نتيجة تحليل إيجابية، إلى فحص سلسلة الدليل كاملة؛ بدءًا من التحريات، مرورًا بإذن النيابة العامة، ثم طريقة تنفيذ الإذن، والمضبوطات ونتائج فحصها، وصولًا إلى إجراءات أخذ العينات وتحليلها والإقرار الصادر من المتهم.

والرسالة الأبرز في الحكم أن صدور إذن النيابة العامة لا يعفي إجراءات تنفيذه من الرقابة القضائية، كما أن وجود نتيجة تحليل إيجابية لا يغني بذاته عن التحقق من مشروعية إجراءات الحصول على العينة وفحصها.

وبذلك أسست المحكمة قضاء البراءة على مجموع من الشكوك التي طالت الأدلة والإجراءات، معتبرة أن الإدانة الجنائية لا تقوم إلا على أدلة تطمئن إليها المحكمة وتصلح قانونًا لبناء حكم بالإدانة.

 

 

 

 

تم نسخ الرابط