و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

بعد أسابيع قليلة، يكمل الكاتب أحمد المسلماني عامه الثاني رئيسًا للهيئة الوطنية للإعلام؛ وهي محطة تفتح الباب أمام قراءة تحليلية لمسار مؤسسة عريقة كادت أن تبتلعها أزمات التمويل والإدارة، قبل أن تبدأ في الانتقال تدريجيًا من إرث التعثر إلى رحاب النهوض واستعادة القدرة على الحركة.
ولم يكن هذا التحول الملموس وليد الصدفة، بل جاء ثمرة لتكامل دقيق؛ بدأ بدعم وإرادة سياسية حاسمة من الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي منح ماسبيرو قبلة الحياة بتوجيهات مباشرة لمعالجة ملفاته المستعصية، وصولاً إلى جهود مضنية ودؤوبة قادها المسلماني كجندي شريف ومخلص، تحرك بحنكة ورؤية واعية للعبور بالمؤسسة من حافة الهاوية إلى أفق العمل والإنتاج.
وقد تولى المسلماني المسؤولية في 25 نوفمبر 2024 بقرار جمهوري، ليعمل في إطار هذه الرؤية الشاملة لتطوير الإعلام الوطني، والحفاظ على الدور التاريخي لماسبيرو، وتعزيز حضوره باعتباره جزءًا أصيلًا من القوة الناعمة المصرية.
وعلى مدار عامين، لم يكن التحدي مجرد إدارة مؤسسة إعلامية عريقة، وإنما التعامل مع إرث طويل من الأزمات المتراكمة، وإعادة ترتيب الأولويات بحكمة وإصرار، لفتح الطريق أمام مرحلة جديدة لا تكتفي بإدارة الأزمة، وإنما تتطلع إلى بناء مستقبل أكثر استدامة.
ويمكن قراءة ملامح هذا التحول عبر خمسة محاور رئيسية صنعت الفارق:

أولًا: إصلاح الاقتصاد المؤسسي

تظل خطوة تسوية المديونيات التاريخية مع بنك الاستثمار القومي المحور الأساسي لعملية الإنقاذ، لما تمثله من أهمية في إزالة أثقل القيود التراكمية التي عطلت حركة العاملين في ماسبيرو لسنوات طويلة.
ولم تكن هذه التسوية مجرد معالجة لملف مالي متراكم، ولم يكن إصلاح الوضع المالي هدفًا في حد ذاته، وإنما أصبح مدخلًا لإعادة ترتيب أولويات المؤسسة والانتقال من التعامل مع الأزمات المتلاحقة إلى بناء قدرة أكثر استدامة على العمل والتطوير.

ثانيًا: الاستقرار الإنساني وحقوق أصحاب المعاشات

يبقى العامل الإنساني أحد أهم معايير الحكم على نجاح أي إصلاح مؤسسي؛ وفي هذا السياق، برز التحرك لمعالجة الملفات المعيشية الملحة، وعلى رأسها مستحقات أصحاب المعاشات.
وقد أتاحت التسويات المالية المدعومة من الدولة قدرًا أكبر من القدرة على التعامل مع هذه الالتزامات وصرف المستحقات على فترات، في خطوة تحمل أهمية خاصة لأبناء ماسبيرو الذين أمضوا سنوات طويلة في خدمة الإعلام الوطني.
فالاستقرار المؤسسي لا يكتمل من دون استقرار إنساني، ومن الصعب الحديث عن إعادة بناء مؤسسة بحجم ماسبيرو بمعزل عن تقدير حقوق العاملين السابقين والحاليين فيها.

ثالثًا: الارتقاء بالعاملين وتوفير السيولة التشغيلية

على مستوى القوة البشرية الحالية، تمثل عودة السيولة التشغيلية تدريجيًا عنصرًا أساسيًا في تحسين بيئة العمل واستعادة القدرة على التعامل مع الاحتياجات اليومية للمؤسسة.
وقد انعكس ذلك بوضوح على البنية الإنتاجية، من خلال الاهتمام بتجديد وتطوير عدد من الاستديوهات البارزة، وفي مقدمتها استوديو فاتن حمامة واستوديو زويل، بما يسهم في تحسين بيئة الإنتاج، وتخليد رموز مصر العظيمة، ورفع كفاءة الإمكانات الفنية المتاحة أمام العاملين.
وفي الوقت نفسه، لم يقتصر الاهتمام على تطوير المكان والمعدات، وإنما امتد إلى العنصر البشري، من خلال التوسع في برامج التدريب وتنظيم الدورات المتخصصة للعاملين، بما يساعد على صقل مهاراتهم ومواكبة التطورات المتسارعة في مجالات الإعلام الحديث والتكنولوجيا والإنتاج الرقمي.
كما أن توفير الموارد اللازمة للصيانة والتطوير يمثل خطوة ضرورية لإعادة الحيوية إلى الاستديوهات والمنشآت والقنوات، بعد سنوات من تراكم الاحتياجات وتأجيل أعمال التحديث.
ومن هنا، فإن النهوض بماسبيرو لا يرتبط فقط بما يحدث على الشاشة، وإنما يبدأ من البنية التي تنتج المحتوى، والكوادر التي تصنعه، والاستثمار في خبراتها وقدراتها؛ فالمؤسسة القوية هي التي تطور المكان وتستثمر في الإنسان في الوقت نفسه.

رابعًا: حراسة الذاكرة الوطنية.. معركة الرقمنة

في قلب مشروع الرقمنة، برز ملف أرشفة التراث المرئي والمسموع لماسبيرو باعتباره واحدًا من أكثر الملفات إلحاحًا وأهمية.
فهذا التراث لا يمثل مجرد تسجيلات وبرامج ومواد أرشيفية، وإنما جزء أصيل من الذاكرة الإعلامية والثقافية لمصر، بما تحمله من شهادات حية على عقود طويلة من التاريخ السياسي والاجتماعي والفني والثقافي.
ومن ثم، فإن تحويل هذا الإرث الضخم إلى نسخ رقمية مؤمّنة وعالية الجودة يتجاوز كونه إجراءً تقنيًا؛ فهو في جوهره عملية سيادية لحماية ذاكرة مصر من التلف والضياع، وإتاحة الفرصة أمام الأجيال الجديدة للاستفادة منها.
وهنا تلتقي التكنولوجيا مع التاريخ، وتحول الرقمنة من وسيلة للحفظ التقليدي إلى أداة استراتيجية تصنع القيمة الاقتصادية والثقافية لهذا التراث.

خامسًا: تعزيز الدور الاستراتيجي والمحتوى

على صعيد الشاشة ومنظومة البرامج، شهدت الفترة الماضية توجهًا جادًا نحو استعادة مساحة أوسع للبرامج الجادة، والدراما الهادفة، والإنتاج الوثائقي الرصين، بما يعيد التأكيد على أهمية المحتوى الوطني في تشكيل الوعي ومخاطبة المجتمع.
ولا يتعلق الأمر بمجرد زيادة عدد البرامج أو ساعات البث، وإنما بإعادة تعريف وظيفة الشاشة الوطنية ودورها في تقديم محتوى يعكس نبض المجتمع، ويحافظ على الهوية المصرية، ويعزز الحضور الثقافي والحضاري لمصر إقليمياً وعالمياً.
وإذا نجحت هذه الخطوة في الاستمرار والتطور، فإن ماسبيرو قادر على استعادة جانب وافر من دوره الريادي، مستندًا إلى تاريخه وعراقته وكوادره وأرشيفه الفريد.
الأفق القادم.. الاستثمار لا الإنقاذ فقط
لقد نجح ماسبيرو خلال العامين الماضيين في عبور مرحلة إدارة الأزمات وتثبيت أركانه، بفضل الدعم الرئاسي والجهد المخلص لإدارة الهيئة بقيادة الكاتب أحمد المسلماني. إن المعركة الحقيقية للمرحلة المقبلة هي الانتقال من "منطق الإنقاذ" إلى "منطق الاستثمار"، لتحويل هذا الإرث والأرشيف الضخم إلى قيمة اقتصادية وثقافية مستدامة، بما يليق بتاريخ ماسبيرو العريق ومكانة مصر الرفيعة.

تم نسخ الرابط