و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

مع بداية عام دراسي جديد، تعود المدارس والجامعات إلى المشهد بكل ما تحمله من أحلام وطموحات وأسئلة عن التعليم، وجودته، ومناهجه، وأنشطته، ونتائجه. لكن ربما نحتاج قبل كل ذلك إلى سؤال أبسط وأعمق: ماذا نريد من التعليم؟
هل نريد طالبًا يحفظ أكثر؟ أم طالبًا يعرف أكثر؟ أم إنسانًا يعرف أكثر ويصبح أفضل؟

الغاية الحقيقية من العلم                                                                     

فالعلم الذي لا يربي الأخلاق، في رأيي، لا يحقق الغاية الحقيقية منه. فما قيمة أن نخرج طالبًا متفوقًا في دراسته، لكنه لا يعرف معنى الأمانة؟ وما قيمة الشهادة إذا لم يصاحبها احترام للآخر، وانضباط، ورحمة، ومسؤولية؟
وفي عصرنا الحالي، مع الطفرات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، أصبحت المعرفة متاحة للجميع بنقرة زر، وأصبح العلم بغير أخلاق وإنسانية يشكل خطورة مضاعفة؛ فسلاح العلم بلا تهذيب قد يخرج كفاءات بلا ضمير، توظف طاقتها في التدمير بدلًا من البناء.

الأنشطة المدرسية.. بوابات لتهذيب الروح

ولهذا، فإن الاهتمام بالأنشطة المدرسية لا ينبغي أن يكون مجرد استجابة لمطالب العصر أو لإضافة بنود إلى ملف المدرسة، وإنما يجب أن يكون له هدف تربوي واضح.
الرسم والتعبير الفني: ليس مجرد ورقة وألوان؛ يمكن أن يساعد الطالب على التأمل في إبداعات الخالق في الكائنات من حوله، وأن يمنحه وسيلة للتعبير عن مشاعره، أو عن لقطة لفتت انتباهه، أو فكرة لم يستطع التعبير عنها بالكلمات. يصبح الرسم هنا وسيلة لاكتشاف الذات والتعبير عنها.
الموسيقى والفنون: ليست مجرد أصوات وأنغام؛ يمكن أن تكون وسيلة لتغذية الروح، وتعليم الطالب الإنصات والإحساس والجمال.

الرياضة والأنشطة البدنية: لا ينبغي أن يكون هدفها فقط أن يركض الطالب أكثر أو يفوز في مباراة، وإنما أن يتعلم الانضباط، والالتزام، وروح الفريق، واحترام المنافس، وتقبل الفوز والهزيمة، إلى جانب تفريغ الطاقة بطريقة صحية.
وهكذا تصبح الأنشطة جزءًا أصيلًا من العملية التربوية، لا وقتًا زائدًا نملؤه بأي نشاط.
المعلم والقيادة.. القدوة الحية في زمن الشاشات

لكن كل ذلك يظل ناقصًا إذا غابت القدوة.

فالمعلم في المدرسة ليس مجرد شخص ينقل المعلومات من الكتاب إلى الطالب. هو أمام أعين أبنائنا لساعات طويلة، يرونه ويتابعون طريقته في الحديث، وتعامله مع الآخرين، وانفعالاته، وملابسه، وتصرفاته، وطريقة تعامله مع الاختلاف والخطأ.
ولا يعني ذلك أن ننفي عن المعلم بشريته؛ فهو إنسان يخطئ ويصيب، ومن الظلم أن نطالبه بالكمال. لكن الأصل فيه أنه حامل للعلم وناقل له، ولذلك ينبغي أن يدرك أن أفعاله قد تسبق كلماته في التأثير. كما أن تمكين المعلم ودعمه نفسيًا وماديًا هو بداية تمكينه ليكون هذه القدوة المرجوة.
ولعل التعبير الشائع: «كاد المعلم أن يكون رسولًا»، رغم أنه ليس حديثًا نبويًا، يلخص في وجداننا المكانة التي ارتبطت تاريخيًا بالمعلم، وما تحمله هذه المكانة من مسؤولية. وكلما علت المنزلة في العلم، علت معها المسؤولية والتكليف.
ومن هنا تصبح مسؤولية مدير المدرسة أكبر؛ فهو ليس فقط مسؤولًا عن الجداول والقرارات والانضباط وسير العمل، وإنما هو راعٍ لكل من يتواجد داخل المدرسة، ومعلموه وطلابه ينظرون إليه بوصفه نموذجًا للقيادة. فإذا أردنا معلمًا منضبطًا، يجب أن يرى الانضباط في قيادته. وإذا أردنا منه احترام الطالب، يجب أن يرى الاحترام في طريقة التعامل معه. وإذا أردنا مدرسة تحترم العلم والإنسان، فلا بد أن تبدأ هذه القيم من رأس المؤسسة.

الجامعة وصناعة أجيال المستقبل

ولا يتوقف الأمر عند المدرسة؛ بل ربما تكون الجامعة أحوج إلى هذه الفكرة؛ لأن الأستاذ الجامعي قد ارتقى في العلم درجات، وبذل من الوقت والجهد والمال ما يؤكد إدراكه لأهمية العلم وقدسيته، حتى أصبح قادرًا على تعليم الآخرين وصناعة أجيال جديدة.
فهل من المعقول أن يرتقي الإنسان في العلم، بينما لا يرتقي معه عقله وشخصه وسلوكه؟
الأستاذ الجامعي لا يلقي محاضرة في تخصصه فقط، بل يقدم أمام طلابه نموذجًا للإنسان الذي اختار أن يجعل العلم رسالته. والطالب الجامعي، حتى وإن كان أكثر نضجًا من طفل المدرسة، يظل في مرحلة تتشكل فيها رؤيته للحياة والمجتمع والعمل والنجاح.
ونحن نعيش في زمن أصبحت فيه صناعة القدوة أكثر صعوبة. الطفل والشاب اليوم لا يتلقى نماذجه من المدرسة أو الأسرة وحدهما؛ الهاتف مفتوح أمامه طوال الوقت، والعالم كله يدخل غرفته، ويرى يوميًا مئات النماذج المختلفة للنجاح والشهرة والقوة والمال. ولهذا لم يعد كافيًا أن نقول له: كن جيدًا... علينا أن نريه الإنسان الجيد أمامه.
ولأن المدرسة لا تغرد منفردة في هذا الميدان، فإن أي جهد تربوي يظل مرهونًا بتكامل الحاضنة الأولى؛ الأسرة. فالبيت هو المحيط الأول للقيم، وما المدرسة إلا السند والمكمل. إن بناء جيل واعٍ يتطلب صياغة ثقافة متناغمة تعزز فيها الأسرة 

ما يتعلمه الطالب في مدرسته وجامعته.

نحتاج إلى تعليم يمنح أبناءنا المعرفة، نعم، ولكن يمنحهم معها القدرة على استخدامها في الخير، ويمنحهم الفن ليشعروا، والرياضة لينضبطوا، والعلم ليفكروا، والقدوة ليتعلموا كيف يكونون بشرًا أفضل.
ففي النهاية، قد ينسى الطالب كثيرًا مما حفظه في الكتب، وقد تتغير المناهج والشهادات والوظائف، لكن ما تعلمه عن الأمانة، والاحترام، والانضباط، والرحمة، وتحمل المسؤولية، سيبقى معه طويلًا. لأننا لا نحتاج فقط إلى جيل أكثر علمًا... وإنما إلى جيل يجعل من علمه إنسانًا أفضل.

تم نسخ الرابط