قبل انطلاق انتخابات الكنيست السادسة والعشرين في إسرائيل تبدو المنافسة السياسية مفتوحة على أكثر من مسار لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بالحزب الذي سيحصل على أكبر عدد من المقاعد، بل بقدرة أي معسكر على تحويل نتائجه الانتخابية إلى ائتلاف حكومي يمتلك أغلبية برلمانية قابلة للاستمرار.
فبينما يتنافس بنيامين نتنياهو وجادي أيزنكوت على قيادة المرحلة المقبلة تظل معضلة تشكيل الحكومة هي الاختبار الحقيقي الذي قد يحدد نتيجة الانتخابات وربما مستقبل النظام السياسي الإسرائيلي نفسه.
وتكتسب هذه الانتخابات أهميتها من أنها تأتي بعد سنوات من الحروب والأزمات الأمنية والاستقطاب الداخلي، وفي ظل تراجع قدرة الاستطلاعات على تقديم صورة متطابقة بشأن توزيع المقاعد. كما تعيد إلى الواجهة سؤالًا لم تحسمه الانتخابات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عام 2019: هل تستطيع صناديق الاقتراع إنتاج أغلبية سياسية متماسكة أم أن التوازنات الحزبية ستعيد البلاد إلى دائرة المفاوضات المتعثرة والائتلافات الهشة؟
معركة المقاعد لا تحسم معركة الحكم
تُظهر استطلاعات الأيام الأخيرة قبل الاقتراع تقارباً في المنافسة بين حزب الليكود بقيادة نتنياهو وحزب «يشار» بقيادة جادي أيزنكوت مع اختلاف واضح بين المؤسسات التي أجرت الاستطلاعات.
ففي استطلاعَي قناتي 12 و13 الإسرائيليتين المنشورين في 23 أكتوبر حصل «يشار» على 23 و22 مقعد على التوالي مقابل 21 و19 مقعد لليكود.
في المقابل منح استطلاع نشرته i24NEWS في 22 أكتوبر الليكود 26 مقعد مقابل 21 لـ«يشار».
ولا تعني هذه الفوارق بالضرورة أن أحد الاستطلاعات خاطئ لكنها تؤكد أن تقدير اتجاه المنافسة يظل مرتبط بمنهجية كل مؤسسة وتوقيت جمع البيانات فضلا عن هامش الخطأ واحتمالات المشاركة الفعلية في التصويت. والأهم أن تقدم حزب على آخر في عدد المقاعد لا يحسم هوية رئيس الحكومة المقبل لأن النظام البرلماني الإسرائيلي يقوم على تشكيل ائتلاف يحظى بتأييد أغلبية أعضاء الكنيست البالغ عددهم 120 عضو.
ومن هنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة: الحزب الذي يتصدر نتائج الاقتراع والمعسكر الذي يمتلك القدرة العددية على تشكيل الحكومة والائتلاف الذي يستطيع الحفاظ على تماسكه بعد بدء ممارسة السلطة. وقد لا تجتمع هذه المستويات الثلاثة في طرف واحد.
وتشير تجميعات الاستطلاعات المنشورة قبيل الانتخابات إلى أن أي من المعسكرين الرئيسيين لا يمتلك طريق مضمون إلى أغلبية مستقرة وهو ما يجعل الأحزاب الصغيرة والقوائم التي تقع قرب نسبة الحسم عوامل مؤثرة في النتيجة النهائية.
ففي نظام تتوزع فيه المقاعد بين عدد كبير من القوائم قد يؤدي تغير محدود في الأصوات إلى اختلاف ملموس في توزيع المقاعد ولا سيما عندما تفشل قائمة في تجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25% من الأصوات الصحيحة.
أسواق التنبؤ: قراءة مختلفة لا بديلا عن استطلاعات الرأي
إلى جانب الاستطلاعات التقليدية برزت أسواق التنبؤ بوصفها مؤشر إضافي على توقعات المشاركين بشأن هوية رئيس الحكومة المقبلة. ففي بيانات منشورة يوم 26 أكتوبر أظهرت سوق Polymarket المرتبطة بمن سيؤدي اليمين رئيساً للحكومة أسعار تعادل نحو 50.3% لجادي أيزنكوت و26.5% لبنيامين نتنياهو و12.5% لنفتالي بينيت مع تداولات بلغت نحو 53.6 مليون دولار في السوق المعنية.
لكن قراءة هذه الأرقام تستلزم قدر من الحذر فسعر العقد في سوق التنبؤ يعكس استعداد المتداولين للشراء والبيع وفق تقديراتهم ومصالحهم وليس نتيجة استطلاع لعينة ممثلة من الناخبين. كما أن حجم التداول مهما بلغ لا يضمن أن الأسعار تعكس جميع المعلومات المتاحة أو أن المشاركين يمتلكون تقديرات دقيقة للنتيجة النهائية.
وتختلف طبيعة السؤال الذي تقيسه هذه الأسواق أيضا عن السؤال الذي تجيب عنه استطلاعات المقاعد. فالحصول على أكبر عدد من المقاعد لا يعني بالضرورة أن زعيم الحزب سيكون رئيس الحكومة إذ قد تتغير النتيجة عبر المفاوضات الائتلافية أو إعادة ترتيب التحالفات أو تعثر أحد المرشحين في الحصول على دعم كافٍ.
لذلك فإن القيمة التحليلية لأسواق التنبؤ لا تكمن في اعتبارها بديل للاستطلاعات بل في مقارنتها بها: ماذا تتوقع الأسواق بشأن هوية رئيس الحكومة؟ وما الذي تقوله الاستطلاعات عن توزيع المقاعد؟ وهل تتطابق توقعات المتداولين مع الحسابات البرلمانية التي تسمح بتشكيل الحكومة؟ إن الفصل بين هذه الأسئلة ضروري لتجنب الخلط بين التوقع المالي والقياس الانتخابي.
أزمة 2019–2022: حين لم تكن صناديق الاقتراع كافية
لا يمكن فهم انتخابات 2026 بمعزل عن تجربة الجمود السياسي التي عاشتها إسرائيل بين عامي 2019 و2022. فقد أفرزت الانتخابات المتعاقبة آنذاك برلمانات لم تستطع فيها المعسكرات المتنافسة تحويل نتائجها إلى حكومات مستقرة بسبب غياب الأغلبية الواضحة والانقسامات داخل الأحزاب والتحالفات فضلا عن صعوبة التوفيق بين المطالب السياسية المتعارضة.
وقد أظهرت تجربة حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد التي تشكلت عام 2021 بدعم من ائتلاف واسع ومتنوع أن تجاوز نتنياهو انتخابيا لا يكفي وحده لضمان الاستقرار.
فقد انهارت التجربة في 2022 بعد تآكل الأغلبية البرلمانية وانسحاب أعضاء من الائتلاف ليعود كيان الاحتلال الإسرائيلي إلى الانتخابات مرة أخرى.
أما انتخابات نوفمبر 2022 فقد منحت معسكر نتنياهو 64 مقعد بما أتاح له تشكيل حكومة بأغلبية برلمانية واضحة نسبيا.
لكن هذه النتيجة لا تثبت أن أسباب الجمود قد اختفت بل توضح أن توزيع المقاعد وتجاوز نسبة الحسم وقدرة الأحزاب على تنسيق قوائمها يمكن أن تؤثر جميعها في تحويل فارق محدود في الأصوات إلى فارق أكبر في المقاعد.
وتكشف المقارنة أن الأزمة الإسرائيلية لا تتعلق فقط بتنافس معسكرين وإنما بقدرة النظام الحزبي على إنتاج ائتلاف يجمع بين العدد الكافي من المقاعد والحد الأدنى من التوافق السياسي. فالأغلبية العددية قد تكون متاحة نظريا لكنها تظل غير قابلة للتحقق عمليا إذا استحال التوفيق بين شروط الأحزاب التي يفترض أن تتشكل منها الحكومة.
الأحزاب الصغيرة ونسبة الحسم: الوزن الذي يتجاوز عدد المقاعد
في الانتخابات الحالية لا تتوقف أهمية الأحزاب الصغيرة عند المقاعد التي قد تحصل عليها بل تمتد إلى قدرتها على تغيير الحسابات الائتلافية.
فالأحزاب الحريدية وعلى رأسها شاس ويهدوت هتوراه تمثل عنصر مهم في حسابات معسكر نتنياهو في حين تملك أحزاب مثل «يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيجدور ليبرمان قدرة محتملة على التأثير في ترتيبات المعسكر المعارض.
وفي الوقت نفسه تظل الأحزاب العربية جزء مؤثر من الحسابات العددية لكن قدرتها على المشاركة في تشكيل الحكومة تتوقف على مواقف الأطراف الأخرى وشروط التعاون التي تقبل بها. فالمشكلة لا تكمن في عدد المقاعد وحده وإنما في إمكانية تحويلها إلى دعم برلماني فعلي سواء عبر الانضمام إلى الائتلاف أو دعمه من خارجه.
وهنا يظهر التناقض بين الأغلبية العددية والأغلبية السياسية فقد يتجاوز مجموع مقاعد الأحزاب المعارضة لنتنياهو حاجز 61 مقعد عند جمعها حسابيا لكن ذلك لا يعني أنها قادرة على تشكيل حكومة واحدة بسبب الخلافات الأيديولوجية والسياسية ورفض بعض الأطراف التعاون مع الأحزاب العربية أو مع قوى أخرى داخل المعسكر نفسه.
وبالمثل فإن حصول الأحزاب المحسوبة على معسكر نتنياهو على عدد كبير من المقاعد لا يضمن تماسكها إذا تصادمت مطالبها بشأن توزيع الحقائب الوزارية أو السياسات الأمنية أو التشريعات القضائية أو الخدمة العسكرية للحريديم.
من 7 أكتوبر إلى أزمة الشرعية السياسية
تجري الانتخابات الحالية في سياق مختلف عن انتخابات 2019–2022 فهجوم 7 أكتوبر 2023 وما أعقبه من حروب وتداعيات أمنية وسياسية واقتصادية وضع أداء القيادة الإسرائيلية أمام أسئلة تتجاوز المنافسة الحزبية التقليدية.
فقد جعلت إخفاقات ذلك اليوم والمطالبة بتحقيق رسمي في أسبابها مسألة المساءلة عنصر مهم في الخطاب المعارض لنتنياهو بينما يركز أنصاره على العمليات العسكرية التي قادتها إسرائيل ضد حماس وحزب الله وإيران وعلى ما يعتبرونه استعادة لقدرات الردع.
وفي الداخل لا تزال قضايا إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية والإصلاح القضائي وطبيعة العلاقة بين الحكومة والمؤسسات الأمنية والقضائية - عوامل قادرة على التأثير في تماسك أي ائتلاف مقبل. كما تفرض الأعباء الاقتصادية للحروب وتداعياتها على المالية العامة والاستثمار تحديات إضافية أمام الحكومة الجديدة.
ولا يعني ذلك أن جميع الناخبين يصوتون وفق هذه القضايا بالدرجة نفسها أو أن نتائجها ستنعكس بصورة مباشرة على توزيع المقاعد. لكن تداخل هذه الملفات يجعل مفاوضات تشكيل الحكومة أكثر تعقيداً إذ لن تقتصر على اقتسام الحقائب الوزارية بل ستتعلق أيضا بحدود التنازلات التي يستطيع كل حزب تقديمها من دون خسارة قاعدته السياسية.
كما أن تداعيات الانتخابات لن تتوقف عند الداخل الإسرائيلي فتركيبة الحكومة المقبلة ستؤثر في اتجاهات السياسة تجاه الفلسطينيين، وفي إدارة الملفات الأمنية والإقليمية وفي العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية فضلا عن قدرة إسرائيل على التعامل مع الضغوط الدولية المرتبطة بالحرب ومستقبل التسويات الإقليمية.
ثلاث مسارات لما بعد الانتخابات
في ضوء هذه المعطيات يمكن تصور ثلاث مسارات رئيسية من دون التعامل معها باعتبارها تنبؤات مؤكدة.
المسار الأول: استمرار الجمود السياسي
قد تنتهي الانتخابات من دون حصول أي من المعسكرين على أغلبية قابلة لاستلام الحكومة فتبدأ مفاوضات طويلة تتعثر بسبب الشروط المتبادلة والخلافات الأيديولوجية.
وفي هذه الحالة قد تصبح الدعوة إلى انتخابات جديدة احتمال مطروح إذا فشلت محاولات تشكيل الحكومة مع استمرار الحكومة القائمة في أداء مهامها وفق القواعد القانونية ذات الصلة.
المسار الثاني: تشكيل حكومة بأغلبية ضيقة
قد يتمكن أحد الأطراف من جمع الدعم البرلماني اللازم لكن ذلك لا يعني أن الحكومة ستكون مستقرة. فالائتلاف الذي يعتمد على فارق محدود في المقاعد سيكون عرضة لضغوط الشركاء وقد تصبح الخلافات حول الميزانية أو الخدمة العسكرية أو السياسات الأمنية كافية لتهديد استمراره.
المسار الثالث: إعادة ترتيب التحالفات
قد تفضي المفاوضات إلى صيغة تعاون مختلفة عن الاصطفافات التي حكمت الحملة الانتخابية سواء عبر اتفاقات بين أحزاب متقاربة في بعض الملفات أو عبر ترتيبات دعم برلماني من خارج الائتلاف. إلا أن تحقق هذا المسار يتوقف على مدى استعداد الأطراف لتعديل مواقفها المعلنة وعلى قدرتها على تسوية الخلافات التي حالت دون قيام مثل هذه التفاهمات سابقًا.
ولا يمكن ترجيح أحد هذه المسارات بصورة قاطعة قبل ظهور النتائج الرسمية واتضاح المواقف الفعلية للأحزاب. كما أن أي تحليل يستند إلى استطلاعات الرأي أو أسعار أسواق التنبؤ يجب أن يظل منفصلا عن النتيجة النهائية التي ستحددها الأصوات المفرزة والمفاوضات السياسية اللاحقة.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد إغلاق الصناديق
في المحصلة لا تختزل انتخابات الكنيست السادسة والعشرين في سؤال بقاء نتنياهو أو صعود أيزنكوت على أهمية هذا التنافس.
إنها اختبار لقدرة النظام السياسي الإسرائيلي على إنتاج أغلبية تستطيع الحكم في ظل تعدد الأحزاب وتضارب المصالح والانقسامات التي لم تحسمها الانتخابات السابقة بصورة نهائية.
وقد يكشف الاقتراع عن تغير في موازين القوى من دون أن ينهي أزمة الحكم كما قد يتيح للأحزاب إعادة ترتيب تحالفاتها بما يسمح بتشكيل حكومة جديدة.
وفي الحالتين لن يكون عدد المقاعد وحده عنصر كافي للحكم على نجاح العملية الانتخابية في إنهاء الجمود.
إن الفارق الحاسم سيكون بين الفوز في صناديق الاقتراع والقدرة على بناء ائتلاف قابل للاستمرار. فإذا انتهت الانتخابات إلى أغلبية متماسكة فقد تمثل فرصة لتجاوز جانب من إرث السنوات السابقة. أما إذا أعادت إنتاج برلمان منقسم لا تستطيع مكوناته الاتفاق على حكومة فسيكون ذلك مؤشر على أن الأزمة لم تكن مجرد تعثر انتخابي عابر بل مشكلة مستمرة في تحويل التعدد الحزبي إلى سلطة تنفيذية مستقرة.
وعليه فإن اليوم التالي للانتخابات قد يكون أكثر أهمية من يوم الاقتراع نفسه لأن النتيجة النهائية لن تتحدد فقط بمن يتقدم في عدد المقاعد وإنما بقدرة الفائزين والخاسرين على إعادة رسم التحالفات وبمدى استعدادهم لتقديم التنازلات اللازمة لتشكيل الحكومة.
وهذا ما سيحدد ما إذا كانت إسرائيل ستخرج من الانتخابات بحكومة جديدة أم ستدخل مرحلة أخرى من الجمود السياسي.




