مد الأزهر بمجددي الأمة
بين صخب المولد وفيض العلوم.. كيف تحول المسجد الأحمدي بطنطا إلى «جامعة فقهية»؟
وسط أجواء الاحتفالات الصاخبة والجموع المليونية التي تشهدها مدينة طنطا اليوم فى محيط المسجد الأحمدي لإحياء المولد السنوي لشيخ العرب، تتوارى حقيقة تاريخية راسخة تؤكد أن الإمام السيد أحمد البدوي كان فقيهاً متبحراً في الشريعة. كما أن المسجد الأحمدي لم يكن مجرد مزار روحي، بل كان جامعة إقليمية كبرى ومنارة لتدريس الفقه بمختلف مذاهبه، لاسيما المالكي والشافعي، حاجزا دوره الريادي إلى جانب الجامع الأزهر.
لم تكن عواصم مصر الإقليمية مجرد مراكز تجارية أو إدارية عبر التاريخ، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى منارات علمية وثقافية صبغت الشخصية المصرية بالوسطية والعمق الديني. وفي قلب الدلتا، وتحديداً في مدينة طنطا بمحافظة الغربية، ينتصب مسجد السيد أحمد البدوي كشاهد عيان على واحدة من أقدم المنارات العلمية الإقليمية في مصر.
هذه المدرسة الفقهية التي نبتت بذورها الأولى منذ قرون، لم تقف عند حدود الطرق الصوفية، بل تطورت لتتحول إلى ما يعرف تاريخياً بـ المعهد الأحمدي الأزهري؛ المؤسسة التي أصبحت بمثابة جامعة إقليمية كبرى تضاهي الجامع الأزهر وتكمل دوره تعليميا.
تضرب الجذور التاريخية لهذه المدرسة الفقهية بعمق في القرن السابع الهجري، وبالتحديد عقب وفاة القطب الصوفي السيد أحمد البدوي عام 675 هـ. حيث أسس تلميذه وخليفته عبد العال زاوية صغيرة وخلوة بجوار قبر شيخه، سرعان ما جذبت آلاف المريدين والطلاب.
ومع مرور الوقت وتوالي العصور المملوكية والعثمانية، حظي المسجد برعاية الحكام؛ فبنى السلطان قايتباي مئذنة وقبة للمسجد. وفي القرن الثاني عشر الهجري، أحدث علي بك الكبير نقلة نوعية كبرى عندما وسع المسجد وشيد به سبيلا وكُتابا لتعليم الأيتام، وأوقف مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والعقارات للإنفاق على العلماء وطلبة العلم.
هذا الدعم المالي حول المسجد الأحمدي رسميا إلى معهد للعلوم الإسلامية على غرار الجامع الأزهر. ولم يعد التعليم مقتصرا على التلقين، بل تحولت أروقة المسجد إلى ساحات مفتوحة لمناقشة الفقه وأصول الدين. وكان يدرس فيه الفقه المالكي، والشافعي، والحنفي، مستقطباً أكثر من ألفي طالب ينتمون لشتى قرى ومدن الوجه البحري، وصار للمسجد شيخ مستقل يدعى «شيخ المسجد الأحمدي»، وهي مكانة علمية رفيعة كانت توازي مكانة شيخ الأزهر في ذلك الوقت.
مصنع العباقرة
مع بداية القرن العشرين، وتحديدا في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1914، انتقل هذا الزخم العلمي من نظام الحلقات التقليدية داخل المسجد إلى صرح تعليمي نظامي حديث، حيث تم بناء المعهد الأحمدي بطنطا بالقرب من ساحة المسجد، كإعلان رسمي عن ولادة أول وأكبر جامعة أزهرية إقليمية متكاملة في قلب الدلتا.
عمل المعهد الأحمدي كقاعدة أساسية للجامع الأزهر، حيث خفف الضغط البشري عن القاهرة، ووفر لأبناء محافظات الدلتا تعليما دينيا رفيع المستوى دون تكبد عناء السفر للقاهرة. وطبق المعهد المناهج الأزهرية الصارمة في علوم التفسير، والحديث، والفقه المقارن، وعلوم اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة.
وبفضل هذا التنظيم، تحول المعهد إلى مركز إشعاع فكري كبير قاد لواء الدفاع عن الفكر الإسلامي الوسطي المستنير، ولم يقف دوره عند التعليم فحسب، بل امتد للحياة السياسية والوطنية؛ حيث كان المعهد شعلة للحركة الوطنية في الدلتا إبان ثورة 1919 بقيادة شيخه آنذاك محمد الأحمدي الظواهري.
على مدي عقود طويلة وقف المعهد الأحمدي بطنطا في مصاف الأكاديميات الأكثر تأثيرا في العالم الإسلامي؛ حيث تخرج في رحابه وتولى التدريس فيه عشرات العلماء الأفذاذ، والقراء، وشيوخ الأزهر الذين جابوا مشارق الأرض ومغاربها.
ومن أبرز هؤلاء الأعلام الذين ارتبطت أسماؤهم بهذا الصرح الإقليمي؛ الشيخ محمد متولي الشعراوي إمام الدعاة، الذي كان واحدا من أشهر من تولوا العمل في هذا الصرح، حيث تم تعينه مدرسا ثم وكيلا للمعهد الأحمدي بطنطا، وكانت حلقاته العلمية وملازمته للمسجد الأحمدي امتداداً طبيعياً لمدرسته الفكرية.
وكذلك الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر الأسبق، ومفتي الديار المصرية الأسبق، والذي تلقى دراسته الثانوية في المعهد الأحمدي بطنطا ومنه انطلق إلى كلية الشريعة بالقاهرة ليصبح مجدداً للفقه والفتوى في العصر الحديث.
إلى جانب، الشيخ محمد الأحمدي الظواهري شيخ الجامع الأزهر الأسبق، والأب الشرعي لتطوير التعليم الأزهري وتحويله إلى جامعة حديثة، والذي قاد معهد طنطا لفترة طويلة وترك فيه بصمة إصلاحية خالدة.
ولم يقتصر العطاء على الفقهاء بل امتد لمدارس التلاوة؛ حيث تخرج في المعهد الأحمدي شيخ القراء الشيخ محمود خليل الحصري، وقيثارة السماء الشيخ مصطفى إسماعيل، اللذان تعلما أحكام التجويد والقراءات السبع بين جدران هذا المعهد العريق.








