و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

مع استمرار الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، ومع فداحة الخسائر على الجانبين وصدمة الصمود الإيرانى الذى أربك كل الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، وزاد من تعقيدات ما يخططون له من معالم لما يسمونه «اليوم التالى» أى اليوم الذى سيلى توقف الحرب، مازال السؤال الذى يشغل العالم كله هو ما هى المشاهد المحتملة لنهاية هذه الحرب؟ هل ستستسلم إيران على نحو ما كان ومازال يأمل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب؟ هل سيسقط النظام الإيرانى على نحو ما يخطط له بنيامين نيتانياهو أم أن إيران ستكون قادرة على فرض معادلة توازن استراتيجى إقليمية جديدة أخذت بعض معالمها تتشكل فى الوساطات الحالية التى تتلمس سلطنة عمان بعض مؤشراتها فى ظل طموح لتشكيل قوة تفاوضية تضم مصر وتركيا والجزائر لوضع معالم لتسوية تحمل فى طياتها الفشل الأمريكى – الإسرائيلى والصمود الإيرانى؟  

السؤال فى ذاته سؤال مهم وطاغ فى دلالاته، لكنه أبعد ما يكون عن مضامين المشروع الذى أعدته المؤسسات الصهيونية بالتضامن مع مؤسسات ما يعرف فى الولايات المتحدة بتيار «المسيحية الصهيونية» الذى انطلق من بعض جوانب الكنيسة الإنجيلية، ويرتكز على قاعدة الربط بين اليهودية والمسيحية، ويسعى إلى التعجيل بمجىء السيد المسيح عليه السلام، وفقًا لنبوءاتهم التى تربط بين انتصار ساحق للدولة اليهودية على أعدائها من «الكفار» فى معركة تاريخية، هى من منظورهم تسمى «معركة آخر الزمان» وبين ظهور السيد المسيح عليه السلام. ولعل فى أحدث تصريحات وزير الحرب الأمريكى بيت هيجسيث ما يكشف بعض خلفيات الاندفاع الأمريكى، وبالتحديد اندفاع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وزمرته الحاكمة من عتاة اليهود الصهاينة فى مخطط الحرب على إيران.

الوزير الأمريكى تحدث عن ثلاث معجزات، من وجهة نظره، تحققت على مسار تحقيق هذا الحلم. أولها معجزة 1917، أى وعد بلفور الذى حول الفكرة الصهيونية إلى مشروع دولة، وثانيها معجزة 1947، التى حولت المشروع إلى دولة تحمل اسم «إسرائيل». وثالثها معجزة عام 1967، التى أسست لنواة «التوسع الإسرائيلى» على أرض ما يسمونه «أرض إسرائيل الكبرى» عندما نجحت إسرائيل فى احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب احتلال شبه جزيرة سيناء المصرية، واحتلال هضبة الجولان السورية، إضافة إلى مناطق واسعة من جنوب لبنان.

الوزير الذى تحدث بافتخار شديد عن هذه المعجزات كان ما يشغله هو حتمية العمل من أجل تحقيق المعجزة الرابعة، وهى هدم المسجد الأقصى وبناء هيكل سليمان (المزعوم)، حيث قال بالنص: «ننتظر حصول معجزة هدم المسجد الأقصى، وبناء الهيكل مكانه.. لا أعرف كيف سيحدث ذلك، ولكننى أعرف أنه سيحدث».

هذا اليقين له جذوره العقائدية التى أشرنا إليها. من هنا بالتحديد يجدر التساؤل: ما هى العلاقة بين هذه الطموحات العقائدية، التى كان قد سبق تأكيدها على لسان السفير الأمريكى فى إسرائيل «مايك هاكابي»، بقوله إن «إسرائيل تملك حقًا دينيًا بالسيطرة على معظم أراضى الشرق الأوسط»، وبين الحرب العدوانية الراهنة على إيران؟ الإجابة هى أن هذه الحرب تهدف ضمن ما تهدف، إلى «خلق بيئة جيو-سياسية جديدة فى إقليم الشرق الأوسط يكون المركز الإستراتيجى والثقل الاقتصادى والسياسى والثقافى هو دولة إسرائيل الكبرى أو (إسرائيل الثانية) الممتدة من الفرات إلى النيل، كى تكمل أدوار (دولة إسرائيل الأولى) التى تأسست عام 1948».

حرب إيران

الحرب العدوانية الراهنة على إيران هى بالأساس «مشروع إسرائيلى»، وإن كان للرئيس الأمريكى مطامع وطموحات مع إيران، سواء كان تدمير البرنامج النووى والقدرات الصاروخية وحلفاء إيران فى المنطقة، أو كان الغاز الإيرانى والنفط الإيرانى والسوق الإيرانية التى تضم 90 مليون نسمة حسب ما سبق أن كشفته وثيقة «الأمن القومى» الأمريكية الجديدة، فالأمر المؤكد أن بنيامين نيتانياهو هو رئيس حكومة الكيان الإسرائيلى مدعومًا بجماعات الضغط والمصالح اليهودية وتيار «المسيحية الصهيونية»، هو الذى أجبر الرئيس الأمريكى على التورط فى هذه الحرب.

المؤشرات على ذلك كثيرة: أبرزها وأخطرها ما جاء على لسان وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيو، وكذلك رئيس مجلس النواب الأمريكى (الجمهورى) أمام جلسة مكاشفة بالكونجرس أن «إسرائيل هى السبب، دخلنا الحرب بأوامر من إسرائيل». وأكد هذا القول ما جرى نقله عن جلسة الكونجرس المغلقة تلك على لسان مشرعين أمريكيين منهم النائب «أيد ماركى Ed Markey» بأن هذه الجلسة التى تحدث فيها ماركو روبيو ورئيس مجلس النواب أكدت «عدم وجود خطة أمريكية لخوض هذ الحرب.. وأن ترامب فعل ذلك لأنه يريد فعل ذلك». ولعل هذا ما دفع ترامب للصدام مع رئيس أركان الجيوش الأمريكية الجنرال «دان كاين» لإجباره، رغم أنفه، على خوض هذه الحرب التى كان يرفضها، والذى كان قد شدد، وفقًا للقناة 12 العبرية، على أن «حملة عسكرية ضد إيران قد تنطوى على مخاطر كبيرة». ما يدعم ذلك ما تحدث به الإعلامى الأمريكى «تاكر كارلسون»، بعد أيام من موقعته مع السفير الأمريكى فى إسرائيل مايك هاكابى، وتأكيده أن الهدف من الحرب على إيران ليس تحرير الشعب الإيرانى، إسرائيل تريد القضاء على منافس إقليمى لها فى الهيمنة الإقليمية، كى لا يبقى فى الشرق الأوسط غير قوة إقليمية مهيمنة واحدة ونووية هى إسرائيل.

صحيفة «هاآرتس» العبرية نقلت عن كارلسون قوله إن «بنيامين نيتانياهو يدرك ما يفعله، ولن يحظى بفرصة مماثلة مع رئيس آخر». وتأكيده قبل أيام من العدوان على إيران: «نحن نسير على طريق الحرب، والجميع يعلم أن السبب الوحيد وراء ذلك هو رغبة إسرائيل.. وأنهم سيحاولون تفجير المسجد الأقصى، لبناء الهيكل الثالث على جبل الهيكل، وحينها سنشهد حربًا عالمية». معنى ذلك أن الصمود الإيرانى الأسطورى أمام هذا العدوان، فى حال نجاحه، لن يحمى إيران فقط من السقوط، لكنه سيكون فى مقدوره إعاقة التأسيس لإسرائيل الثانية.

تم نسخ الرابط