رحل من وسط البلد بعد 150 سنة
رحلة مجلس الشيوخ من الخديوية للجمهورية الجديدة من قصر العينى للعاصمة الادارية
بالتزامن مع استعدادات الأمانة العامة لـ مجلس الشيوخ للانتقال الكامل إلى المقر الأيقوني بالعاصمة الإدارية الجديدة، يطوي التاريخ صفحة سياسية امتدت لأكثر من قرن ونصف من الزمان هي عمر المجلس الذى أنشأه الخديوى اسماعيل تحتا اسم «مجلس شورى النواب» عام 1866
بدأت الأمانة العامة لـ مجلس الشيوخ ترتيبات الانتقال الدائم إلى المقر الجديد للمجلس في العاصمة الإدارية الجديدة، وذلك قبل انطلاق دور الانعقاد الثاني من الفصل التشريعي الثاني، المقرر له أكتوبر المقبل.
وتأتي هذه الخطوات في إطار خطة الدولة للتحول الرقمي وإدارة العمل الحكومي والبرلماني من قلب العاصمة الإدارية، بما يعكس ملامح الجمهورية الجديدة ويضمن رفع كفاءة الأداء التشريعي والرقابي.
وإذا كان المقر الجديد لمجلس الشيوخ بالعاصمة الإدارية يتميز بتصميم معماري يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ومزود بأحدث التقنيات العالمية في مجالات التصويت الإلكتروني، والترجمة الفورية، ونقل البث الحي للجلسات، فإن مبني مجلس الشيوخ القديم يمثل تحفة معمارية وأثرية نادرة.
وبحسب المصادر التاريخية، تعود الجذور الأولى لتأسيس مبني مجلس الشيوخ إلى عهد الخديوي إسماعيل الذي أرسى الدعامة الأساسية للنظام النيابي في مصر عند إنشائه «مجلس شورى النواب» عام 1866. ومع التطورات السياسية المتعاقبة، شهد المقر تعديلات وتحديثات كبرى في العشرينيات من القرن الماضي عقب صدور دستور 1923، ليفتتح بشكله الحالي الفاخر عام 1924؛ حيث احتضن تحت قبته التاريخية أولى الجلسات المشتركة لغرفتي البرلمان (مجلسي الشيوخ والنواب) في 15 مارس 1924
ومن الناحية المعمارية، يشكل المبنى قيمة فنية وهندسية رفيعة المستوى؛ حيث تم تصميمه بأسلوب يمزج بين الطراز الأوروبي المتأثر بالعمارة الفرنسية في أواخر القرن التاسع عشر، وبين الزخارف الإسلامية والفرعونية. وتعتبر القاعة الرئيسية المستديرة المزينة بالنقوش وقبتها الشاهقة أبرز المعالم المعمارية لمبني المجلس.
وإلى جانب القاعة الرئيسية، يضم المجمع النيابي المتحف البرلماني الذي يحوي مقتنيات نادرة، ووثائق ومخطوطات تاريخية توثق المسيرة التشريعية وصورًا لأبرز القامات السياسية التي تعاقبت على هذا المكان.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن مبني البرلمان انعقاد أول جلسة لـ مجلس شورى النواب في 25 نوفمبر 1866، الذى كان يتكون وقتها من 75 عضواً.
تصميم حديث
وشهد المبنى تحديثات كبرى في العشرينيات من القرن الماضي عقب دستور 1923، ليأخذ شكله الحالي الذي يضم القاعة الرئيسية المستديرة والمتحف البرلماني.
ويتميز مبني مجلس الشيوخ بتصميم كلاسيكي من طابقين وشرفات تطل على مقاعد الأعضاء، وتتزين بزخارف نباتية تعود لعشرينيات القرن الماضي، وفى إطار التجديدات تم تصميمها على شكل دائري بقطر 70 متراً، وتتسع لأكثر من 1000 عضو، وتعلوها قبة بقطر 50 متراً.
ولم يكن مبنى مجلس النواب فى المبنى التاريخي بوسط القاهرة مجرد ساحة للنقاش، بل كان مسرحاً لأحداث درامية غيرت وجه مصر، فقد شهد المبنى صراعات حادة بين حزب الوفد بزعامة سعد زغلول والملك فؤاد، حيث تم حل البرلمان عدة مرات في فترات قياسية، أبرزها في عام 1924 عقب أول انتخابات برلمانية حقيقية.
وشهدت قاعته خطابات تاريخية لزعماء عالميين، من بينهم الرئيس الفرنسي شارل ديجول، والرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، والزعيم الجزائري هواري بومدين.
وشهد مبني البرلمان التاريخي، في 19 أغسطس 2008، شهد المبنى حادثاً مأساوياً حيث اندلع حريق هائل التهم مبنى مجلس الشورى التابع للمجمع البرلماني بالكامل، وامتدت النيران لتلتهم أجزاءً من مكاتب اللجان البرلمانية، وهو الحريق الذى تسبب في صدمة شعبية، حيث ضاعت معه بعض الوثائق التاريخية.
ومع انتقال المجالس التشريعية رسمياً إلى المقار الأيقونية الجديدة بالعاصمة الإدارية، يظل مبنى شارع قصر العيني إرثاً وطنياً وثقافياً حياً ومتحفاً مفتوحاً يروي للأجيال تفاصيل الكفاح الوطني والتطور الدستوري للدولة المصرية.








