و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

هناك أماكن تدخلها فتخرج منها كما دخلت…
وهناك أماكن تدخلها فتخرج منها وأنت تعيد حساباتك في أشياء كثيرة.
ومن هذه الأماكن كانت زيارتي لمستشفى نيل الأمل بالإسكندرية.
ولعل اسمها ليس مجرد اسم…
فهي بالفعل نيل الأمل؛ أمل لطفل جاء إلى الدنيا بعيب خلقي، وأمل لأم وأب ينتظران أن يسمعا كلمة «اطمئنوا»، وأمل لأسرة ربما لم تكن تملك القدرة على تحمل تكاليف علاج طفلها.
فكرة المستشفى في حد ذاتها تستحق التوقف أمامها؛ فهي تقدم العلاج بالمجان للأطفال المصابين بالعيوب الخلقية، وتجري عمليات القلب المفتوح، وتضم قسمًا للحضانات، وغيرها من الخدمات الطبية التي تستهدف إنقاذ حياة الأطفال ومنحهم فرصة حقيقية للحياة.
لكن ما لفت انتباهي أكثر من الإمكانيات الطبية هو البعد الإنساني الموجود في طريقة العلاج نفسها.
ففي هذه المستشفى لا يُنظر إلى الطفل باعتباره «حالة طبية» فقط، وإنما باعتباره إنسانًا له مشاعر، وأسرته أيضًا جزء من رحلة علاجه.
ومن أكثر القصص التي توقفت أمامها حالة طفلة وُلدت من دون مريء، وكان علاجها يتطلب في إحدى مراحله أن تحتضنها والدتها يوميًا لعدة ساعات.
قد يبدو الأمر تفصيلًا بسيطًا لمن يسمعه…
لكنه بالنسبة لطفلة وأمها كان جزءًا من رحلة الشفاء.
وهنا ندرك أن الطب ليس دائمًا دواءً أو عملية جراحية أو جهازًا طبيًا…

أحيانًا يكون حضن أم.

حتى في قسم الحضانات، هناك حرص على وجود الأب والأم معًا إلى جوار طفلهما؛ لأن وجود الأسرة ودعمها النفسي للطفل ليس أمرًا هامشيًا، وإنما جزء من البيئة التي تساعده على التعافي.
وهذا هو الفرق بين أن تعالج المرض… وأن تراعي الإنسان.
واللافت أيضًا أن الجانب الإنساني لا يأتي على حساب الجانب العلمي، بل يسير معه جنبًا إلى جنب.
فالمستشفى لديها دور في تدريب الطلاب، حيث يمكنهم مشاهدة العمليات التي تُجرى داخل المستشفى بصورة مباشرة وحصرية من خلال كاميرات تنقل تفاصيل العملية إلى الشاشات، لتصبح التجربة تعليمية وعملية في الوقت نفسه.
كما توجد كاميرا فوق كل حضانة تتيح المتابعة اليومية للأطفال.
وهناك دور كامل مخصص لتطهير الملابس والمعدات باستخدام أجهزة وتجهيزات متخصصة، وهي إمكانيات قيل لي إنها غير متوفرة بهذا الشكل في أماكن أخرى بالإسكندرية.
والأجمل أن رسالة المستشفى لا تتوقف عند أبناء مصر من الأطباء، وإنما تمتد إلى الاستعانة بأطباء أجانب يشاركون في علاج المرضى دون مقابل، مساهمةً منهم في هذه الرسالة الإنسانية.
وهنا تذكرت قول الله تعالى:
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾
ففي الحياة أشياء كثيرة تصنع ضجيجًا كبيرًا، لكنها لا تترك أثرًا حقيقيًا…
وفي المقابل هناك أناس يعملون في هدوء، ربما لا يبحثون عن التصفيق، لكن ما يقدمونه يبقى في حياة الناس.
وهنا أيضًا أتذكر قوله تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾
لأن القضية ليست فقط أن تعمل…
ولكن أن تعرف لماذا تعمل؟
وليست القضية أن يكون لك منصب أو مؤسسة أو اسم كبير…
ولكن ماذا قدمت بهذا الاسم؟ وماذا تركت خلفك؟
هناك من يأتي إلى الدنيا، وكل ما يشغله هو ماذا سيأخذ منها…
وهناك من يفهم أن قيمته الحقيقية فيما يستطيع أن يقدمه للآخرين.
وهناك من يؤدي وظيفته لأن هذا هو المطلوب منه…
وهناك من يفهم أن عمله رسالة وأمانة وأثر.
وهذا تحديدًا ما شعرت به وأنا أتجول داخل «نيل الأمل».
فكل تفصيلة هناك تقول إن الإنسانية ليست شعارًا يُكتب على الجدران، وإنما سلوك يبدأ من طريقة التعامل مع الطفل، ويمتد إلى أسرته، وإلى الطبيب، وإلى الطالب، وإلى كل من يشارك في هذه المنظومة.
حتى التفاصيل التي قد تبدو صغيرة…
رسومات البحر في غرف الأشعة حتى يشعر الطفل بالاطمئنان ويأخذ نفسًا عميقًا، ورسومات الفضاء التي تحول لحظات الخوف إلى مغامرة، ثم هدية صغيرة يحصل عليها الطفل بعد انتهاء الأشعة…
كلها تقول شيئًا واحدًا:
أن الإنسان يمكن أن يشفى بالعلم… لكنه يحتاج أيضًا إلى الإنسانية.
وأعتقد أن أجمل ما في التجربة أنني لم أخرج من المستشفى وأنا أتحدث فقط عن أجهزة وعمليات وإمكانيات، وإنما خرجت وأنا أفكر في معنى أعمق:
أننا جميعًا جئنا إلى هذه الدنيا لرسالة، وأن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، وإنما فيما يتركه من أثر.
فمن يعرف رسالته… يحسن صنعها.
ومن يجعل الخير هدفه… يبقى أثره حتى بعد أن يرحل.
ولهذا ربما لم يكن اسمها صدفة…
«نيل الأمل»…
فهي بالفعل أمل لكل طفل،
وأمل لكل أم وأب،
وأمل لكل أسرة تنتظر أن ترى طفلها سليمًا معافى.
وأحيانًا… يكون أجمل ما يمكن أن تقدمه لإنسان هو أن تمنحه الأمل في الحياة.

تم نسخ الرابط