في كل موسم تتكرر خريطة الحفلات في مصر بصورة تكاد تكون ثابتة؛ القاهرة، المدن الكبرى، الجامعات، ثم الساحل في الصيف. أسماء كبيرة، مسارح ضخمة، وجمهور يعرف أين يمكنه أن يلتقي بفنانه المفضل لكن وسط هذه الخريطة يبقى الملايين من جمهور مصر خارج المشهد أين يذهب الفن إلى أسيوط والمنيا وسوهاج وقنا والأقصر وأسوان؟ وأين حفلات الموسيقى في طنطا والمنصورة والزقازيق وبورسعيد والإسماعيلية، وغيرها من المدن التي يعيش فيها ملايين المصريين؟
والعودة إلى تاريخنا الموسيقي تكشف أن الفنان الكبير لم يكن دائمًا محصورًا في القاهرة أم كلثوم، على سبيل المثال، غنت في دمنهور والإسكندرية والمنصورة وطنطا، وكانت حفلاتها في المحافظات تحظى بجمهور كبير وتحقق إيرادات مهمة، وبعد نكسة 1967 ارتبطت حفلاتها في عدد من المدن المصرية بجمع التبرعات للمجهود الحربي.
وعبد الحليم حافظ أيضًا غنى خارج القاهرة ومن بين حفلاته حفل في أسوان ضمن حفلات أضواء المدينة و ارتبط اسمه أيضًا بحفلات في مدن مصرية أخرى المهم هنا ليس أن نقول إن الماضي كان أفضل، وإنما أن نتذكر فكرة كانت موجودة بقوة: الفنان كان يذهب إلى جمهوره اليوم تغيرت صناعة الحفلات ؛ ارتفعت تكاليف الإنتاج، وأصبح تنظيم الحفل يحتاج إلى حسابات دقيقة تتعلق بالمسرح والصوت والإضاءة والنقل والتسويق والأجور، إلى جانب عدد الجمهور وسعر التذكرة والعائد المتوقع.
ومن الطبيعي أن يبحث المنظم باعتباره يعمل في صناعة تهدف إلى الربح عن المكان الذي يستطيع فيه أن يضمن نجاح الحفل وتغطية تكلفته وتحقيق عائد مناسب ، كما أن المطرب نفسه لا يملك وحده كل تفاصيل تنظيم الحفل أو تحديد أماكنه.
لذلك لا يمكننا أن نطلب من المنظمين أو المطربين وحدهم أن يتحملوا مسؤولية وصول الحفلات إلى كل محافظات مصر.
وهنا يأتي دور الدولة..
ليس بالضرورة أن تكون الدولة هي التي تنظم كل حفلة أو تتحمل تكلفتها كاملة، وإنما يمكن أن يكون دورها في التنسيق والتسهيل وخلق الظروف التي تجعل إقامة هذه الحفلات ممكنة، بالتعاون مع المنظمين والفنانين والقطاع الخاص والرعاة وربما يكون من المفيد التفكير في برنامج سنوي أو موسمي للجولات الفنية في المحافظات، تشارك فيه مجموعة من النجوم، وتنتقل الحفلات خلاله بين مدن مختلفة، بأسعار تذاكر مناسبة، وبشراكة تضمن ألا يتحمل طرف واحد التكلفة أو المخاطرة.
والأهم أن تكون هذه الحفلات لائقة بالفنان والجمهور معًا،
فالوصول إلى المحافظات لا يعني أن نقدم حفلة أقل في المستوى لمجرد أن مكانها خارج القاهرة، إذا كان هناك تعاون أو دعم لإقامة هذه الحفلات، فينبغي أن تتوافر لها مسارح مناسبة، وصوت وإضاءة وتجهيزات فنية جيدة، وتنظيم محترم، حتى يستطيع الفنان أن يقدم أفضل أداء ممكن، ويحصل الجمهور على تجربة تليق به.
وهناك بالفعل تجارب تصل إلى المحافظات من خلال فرق الموسيقى العربية والفرق التابعة لقصور الثقافة، وهي تجارب مهمة في الحفاظ على التراث وإعادة تقديم أغاني كبار المطربين.
لكن هناك فرقًا بين أن تستمع إلى فرقة تعيد تقديم أغنيات أم كلثوم أو عبد الحليم، وبين أن يصل الفنان نفسه إلى جمهوره.
إعادة تقديم التراث مهمة، لكنها لا ينبغي أن تكون الشكل
الوحيد الذي يصل به الفن إلى المحافظات. جمهور هذه المدن يستحق أيضًا أن يعيش الحاضر الفني، وأن يرى النجوم الذين يتابعهم ويستمع إليهم، لا أن يظل نصيبه من الحفلات الكبرى مرتبطًا في الغالب بأداء أغنيات الماضي.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن تكون هذه الجولات فرصة مهمة للفنانين الشباب والفرق الموسيقية والمواهب الموجودة أصلًا في المحافظات، فحين تقام حفلة كبيرة في مدينة ما، يمكن أن تشارك فيها فرقة شابة من المحافظة نفسها، لتصبح المناسبة فرصة لاكتشاف مواهب جديدة وإعطائها مساحة أمام جمهور حقيقي.
وربما يبدأ ارتباط طفل أو شاب بالفن من مثل هذه اللحظة البسيطة ؛ أن يرى حفلة موسيقية في مدينته، أو يسمع أوركسترا للمرة الأولى، أو يشاهد مطربًا يحبه على مسرح قريب من بيته، من دون أن يحتاج إلى السفر حتى يعيش هذه التجربة.
وهنا تتحول الحفلة من مجرد ليلة ترفيهية إلى جزء من علاقة الإنسان بالفن والثقافة، وتصبح إتاحة الفن للجمهور في مختلف المناطق جانبًا من جوانب العدالة الثقافية،
وربما يكون من المفيد التفكير في نموذج تتعاون فيه الدولة مع المنظمين والفنانين والقطاع الخاص، لتصل الحفلات إلى
جمهور أوسع في ظروف فنية تليق بالفنان والجمهور








