و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

تتردد كثيرًا المقولة الشهيرة "أعطني مسرحًا أُعطك شعبًا عظيمًا"، ورغم الجدل حول قائلها فإن معناها ظل حاضرًا عبر العصور لأن الفن لم يكن يومًا مجرد وسيلة للترفيه بل أحد الأدوات التي تساهم في تشكيل وعي الإنسان ووجدانه وصورته عن نفسه وعن مجتمعه، فالثقافة لا تكتفي بعكس الواقع بل تضيف إليه وتفتح أمامه آفاقًا جديدة للتفكير والتذوق والاكتشاف.

ولعل أثر الفن لا يقاس فقط بما يحققه من نجاح في لحظته بل بما يتركه من بصمة تستمر بعده، ويمكن فهم ذلك من خلال بعض التجارب الثقافية التي تركت أثرًا تجاوز زمنها؛ فعندما تأسس استوديو مصر لم يكن مجرد مشروع لإنتاج الأفلام بل رؤية آمنت بأن الفن قادر على المساهمة في بناء الوعي والوجدان وصناعة أثر يمتد إلى ما بعد لحظته.

وفي المسرح لم يكن نجيب الريحاني الفنان الوحيد في عصره لكنه استطاع أن يترك بصمة بقيت حاضرة لأنه قدم مسرحًا يتحدث إلى الناس عن أنفسهم ويعبر عن همومهم بلغة قريبة منهم، وفي الموسيقى لم تكن أم كلثوم الصوت الوحيد في زمانها لكنها تجاوزت حدود جيلها لتصبح جزءًا من وجدان أجيال متعاقبة.

ولا يجمع بين هذه التجارب أنها حققت النجاح فحسب بل أن أثرها استمر بعد انقضاء زمنها، فالتاريخ مليء بأعمال لاقت انتشارًا واسعًا في عصرها ثم تراجعت مع السنوات بينما بقيت أعمال أخرى حاضرة في الوجدان رغم تغير الأجيال والظروف.

وهنا تظهر فكرة الذاكرة المشتركة، فالأمم لا تتكون من الاقتصاد والسياسة فقط بل من مجموعة من الرموز والقصص والصور والأغاني التي يشترك أبناؤها في معرفتها واستدعائها، ومن خلال هذه الذاكرة يشعر الناس بأنهم ينتمون إلى قصة واحدة مهما اختلفت أعمارهم وخلفياتهم.

لكن هذه الذاكرة لا تتشكل تلقائيًا؛ فهي تحتاج إلى أعمال تمتلك القدرة على البقاء كما تحتاج إلى مساحة تسمح لها بالوصول والاستمرار، ولذلك لا يكمن السؤال الأهم في أي الفنون يجب أن توجد أو تختفي بل في أي الأعمال تستحق أن تحظى بمساحة أكبر من الاهتمام والدعم، فالمشهد الثقافي يتسع للجميع لكن المجتمعات التي تدرك قيمة الثقافة تحرص على ألا تغيب الأعمال القادرة على ترك أثر ممتد في وجدانها.

الأعمال المرجعية

ومن هنا تأتي أهمية المؤسسات الثقافية، فدورها لا يقتصر على إنتاج الأعمال الفنية أو متابعة ما يحقق النجاح في لحظته بل يمتد إلى اكتشاف الأعمال الجديرة بالبقاء ومنحها المساحة التي تستحقها.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس تنوع الأذواق أو تعدد الفنون بل غياب الأعمال المرجعية القادرة على جمع الناس حول ذاكرة ثقافية مشتركة، فالمجتمعات تحتاج دائمًا إلى أعمال تتجاوز نجاحها الفردي لتصبح جزءًا من قصتها الجماعية كما تحتاج إلى مؤسسات تدرك قيمتها وتمنحها المساحة التي تستحقها.

فالثقافة لا تُقاس فقط بما تنتجه بل أيضًا بما تختار أن تمنحه الضوء.

تم نسخ الرابط