و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

عندما نتحدث عن قوة الدول يتجه التفكير تلقائيًا إلى الاقتصاد، أو الجيش، أو التكنولوجيا لكن التاريخ يروي قصة مختلفة؛ فهناك دول رسخت مكانتها بما تمتلكه من كتاب، ومسرح، ومتحف، وموسيقى، وسينما، بقدر ما رسختها بما تمتلكه من قوتها الصلبة، لقد أدركت هذه الدول أن الثقافة ليست ترفًا بل أحد أهم أدواتها في بناء الإنسان وتعزيز حضورها في العالم.

ومن هنا نشأت وزارات الثقافة لتتولى رعاية الفنون، وصون التراث، وحماية الآثار، ودعم الإبداع، ونشر المعرفة لكن رسالتها لا تتوقف عند هذه المهام؛ فهي تحفظ المعنى الذي تمنحه هذه العناصر للمجتمع.

لكن كيف نجحت بعض الدول في تحويل وزارة الثقافة إلى إحدى أهم أدوات قوتها الناعمة؟

تتفق التجارب العالمية على مبدأ واحد ؛ الثقافة تصبح قوة عندما تتحول إلى سياسة دولة لا إلى برامج موسمية.

في فرنسا؛ لم تُبنَ وزارة الثقافة حول شخص الوزير بل حول رؤية وطنية مستقرة استثمرت الدولة في المسرح، والسينما،

والأدب، والمتاحف، والتراث، ووفرت بيئة تساعد المبدعين على الإنتاج حتى أصبحت الثقافة جزءًا من الحياة اليومية وأحد أهم مصادر التأثير الفرنسي في العالم.

أما إيطاليا، فقد حولت تراثها إلى مشروع للمستقبل وربطت بين حماية الآثار والتنمية والسياحة لتؤكد أن التاريخ ليس عبئًا على الحاضر بل أحد أهم موارده.

وفي كوريا الجنوبية، اتخذت الثقافة مسارًا مختلفًا؛ فتحول الدعم إلى استثمار، والإبداع إلى صناعة، والمحتوى الثقافي إلى أحد أهم صادرات الدولة.

أما اليابان، فقد قدمت نموذجًا يجمع بين الحفاظ على التراث والانطلاق نحو الابتكار، ليؤكد أن الهوية القوية لا تتعارض مع الحداثة بل تمنحها جذورها.

وفي العالم العربي، برزت المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة بوصفها تجربة لافتة أعادت فيها بناء قطاعها الثقافي، وأنشأت هيئات متخصصة، وربطت الثقافة بالتنمية الاقتصادية لتصبح جزءًا من مشروع وطني يسهم في تنويع الاقتصاد وتعزيز صورة الدولة.

التجربة المصرية

وعلى اختلاف هذه النماذج يبقى السؤال المشترك واحدًا: ما الدور الذي نريده للثقافة في بناء الدولة؟

ومن هنا يمكن فهم التجربة المصرية؛ فعندما أنشأت مصر وزارة الثقافة عام 1958 كانت من أوائل الدول العربية التي أدركت أن بناء الدولة لا يكتمل بالمشروعات الاقتصادية وحدها بل يحتاج إلى مشروع ثقافي يبني الإنسان ويحفظ الهوية.

وجاء ثروت عكاشة ليترجم هذه الرؤية إلى مؤسسات ، وتشير تجربته إلى أن النموذج الفرنسي كان الأقرب إلى تفكيره ليس تقليدًا له بل لأن مصر مثل فرنسا تمتلك حضارة عريقة ودورًا ثقافيًا يتجاوز حدودها، فأنشأ أكاديمية الفنون، ووسع مشروع قصور الثقافة، وأطلق حركة الترجمة، وقاد مشروع إنقاذ آثار النوبة، واضعًا الأساس للبنية الثقافية المصرية الحديثة.

لكن المقارنة بين التجربتين تكشف فارقًا مهمًا؛ فبينما بنت فرنسا مؤسسات ثقافية تقوم على سياسة دولة مستقرة ارتبطت التجربة المصرية في كثير من الأحيان بشخص الوزير ورؤيته أكثر من ارتباطها باستراتيجية ثقافية وطنية مستدامة، ولهذا بقيت مرحلة ثروت عكاشة علامة فارقة؛ ليس لكثرة الفعاليات بل لوضوح المشروع الذي قامت عليه.

واليوم، يبقى السؤال الحقيقي: هل تمتلك وزارة الثقافة مشروعًا وطنيًا يمتد لعقود بغض النظر عن تغير الوزراء؟
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الثقافة تُقاس بقدرتها على بناء الإنسان، وصون الهوية، وإنتاج المعرفة، وتحويل الإبداع إلى قوة ناعمة تعزز مكانة الدولة.

وربما لا تستطيع وزارة الثقافة أن تبني اقتصاد دولة بمفردها، لكنها تستطيع أن تبني الإنسان الذي يبني الاقتصاد، وأن تحافظ على الهوية التي تمنح المجتمع تماسكه.

وهنا يكمن الفارق بين وزارة تُدير الثقافة... ووزارة تجعل الثقافة مشروع دولة.

تم نسخ الرابط